محمود عدلي الشريف*
أيها الصائمون .. إننا لاشك لاحظنا تغييرًا في الطعام في بيوتنا في أيام هذا الشهر الفضيل، فالطعام في رمضان له عناية خاصة عمّا سواه، فالكل صائم ويريد أن يفطر على ما طابت له نفسه واشتهاها خاطره، ولو تأملناها لوجدناها أشكالًا وألوانًا من المطعومات والمشروبات مما لذ وطاب، وحتى نحمد الله تعالى ونزداد شكرًا له سبحانه، فإن الذي كان يأكله رسولنا (صلى الله عليه وسلم) لقيمات، وما كان في بيته ـ بأبي هو وأمي ـ خازنة للأطعمة، وما كان لديه كثير من الطعام، إلا قوت يوم بيوم، و(كان سيدنا ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يمكث الأيام الطوال لا يجد طعامًا، ويربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان ذلك عن رضا منه واختيار منه، فقد عُرضت عليه جبال مكة وجبال المدينة على أن تكون له ذهبًا وفضةً فأبى، وعُرضت عليه مع النبوة والرسالة الملك فقال: لا، إن أنا إلا عبد رسول، أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر) (تفسير المنتصر الكتاني، ج 4، ص: 333).

فهيا بنا لنتعرف على طعامه (صلى الله عليه وسلم):

(اللحم): وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحب أكل اللحم، فـ(اللحم سيد الإدام) ـ كما جاء في (شعب الإيمان 8/ 67، برقم 5508): عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(خَيْرُ الْإِدَامِ اللَّحْمُ، وَهُوَ سَيِّدُ الْإِدَامِ)، وكان (صلى الله عليه وسلم) يحب أن يأكل أشياء معينة من اللحم منه:

1ـ لحم الظهر: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(أَطْيَبُ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ) (المستدرك على الصحيحين للحاكم 4/ 124).

2 ـ لحم الجنب: عنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا (قَرَّبَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَمَا تَوَضَّأَ) (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 26/ 120)، وعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ:(ضِفْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأُتِيَ بِجَنْبٍ مَشْوِيٍّ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ، فَحَزَّ لِي بِهَا مِنْهُ قَالَ: فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ فَقَالَ: مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ؟، قَالَ: وَكَانَ شَارِبُهُ قَدْ وَفَى، فَقَالَ لَهُ: أ َقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ أَوْ قُصُّهُ عَلَى سِوَاكٍ) (الشمائل المحمدية للترمذي، ط: المكتبة التجارية، ص: 139).

3 ـ الشواء: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ:(أَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ شِوَاءً فِي الْمَسْجِدِ) (مسند أحمد برقم: 17738، وابن ماجه برقم: 331، وجامع المسانيد والسنن برقم 1541)، (شوى اللحم شيًا، فاشتوى وانشوى، وهو الشواء بالكسر والضم) (مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه) و(القول المكتفى على سنن المصطفى 19/ 315). و(جُنوبَ شِواءٍ: هي جمع جَنْبٍ، يريد جَنْبَ الشاةِ، أَي: أنه كان في التَّنُّور جُنوبٌ كثيرة، لَا جَنْبٌ واحد) (لسان العرب، ج1، ص 275)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:(مَا رُفِعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَضْلُ شِوَاءٍ قَطُّ، وَلَا حُمِلَتْ مَعَهُ طِنْفِسَةٌ)، الطنفسة: البساط الذي له خَمل دقيق. قاله السندي، (سنن ابن ماجه، ت: الأرنؤوط 4/ 429).

4 ـ الذِّرَاعُ: عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ:(طَبَخْتُ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قِدْرًا وَقَدْ كَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَنَاوَلْتُهُ ثُمَّ قَالَ: نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي الذِّرَاعَ مَا دَعَوْتُ) وأخرجه (أحمد، حديث رقم: 15967، ومسند الدارمي، ت: الزهراني 1/ 65)، أو قَالَ: لَوِ الْتَمَسْتَهُ وَجَدْتَهُ، (السنن الكبرى للنسائي 6/ 229)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:(أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ذَاتَ يَوْمٍ، فَرَفَعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعَ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا) وعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ:(كُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بَطْنَ الشَّاةِ، وَقَدْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ) (المرجع 6/ 230)، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:(كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ" قَالَ: وَسُمَّ فِي الذِّرَاعِ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْيَهُودَ سَمُّوهُ) (فتح الودود في شرح سنن أبي داود 3/ 728)، أَيْ: ذِرَاعُ الْغَنَمِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ:(الذِّرَاعُ بِالْكَسْرِ هُوَ مِنْ يَدَيِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ: فَوْقَ الْكُرَاعِ، ومن يد البعير: فوق الوطيف، وَوَجْهُ إِعْجَابِهِ: أَنَّهُ يَكُونُ أَسْرَعَ نُضْجًا وَأَلَذَّ طَعْمًا وَأَبْعَدَ عَنْ مَوْضِعِ الْأَذَى (وَسُمَّ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ جُعِلَ السُّمُّ (وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْيَهُودَ هُمْ سَمُّوهُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ:(سَمَّهُ سَقَاهُ السُّمَّ وَالطَّعَامَ جَعَلَهُ فِيهِ) (عون المعبود وحاشية ابن القيم 10/ 182).

5 ـ الكتف: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ (رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَوَضَّأَ مِنْ أَكْلِ ثَوْرِ أَقِطٍ، ثُمَّ رَآهُ أَكَلَ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) (مختصر الشمائل ص: 98)، وفي (السنن الكبرى للنسائي 6/ 228، برقم: 6622)، قَالَ مَرْوَانُ: (كَيْفَ نُسْأَلُ، وَفِينَا أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَنَشَلْتُ لَهُ كَتِفًا مِنْ قِدْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ).

6 ـ الثريد: عن سلمان الفارسي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(البركة في ثلاث: الجماعات، والثريد، والسحور) (سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها 3/ 36 برقم 1045)، روى أبو داود عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال:(كان أحبّ الطعام إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الثّريد من الخبز، والثّريد من الحيس) (الآداب للبيهقي، ص: 173)، وَ(الْمُرَادُ مِنَ الثَّرِيدِ مِنَ الْخُبْزِ هُوَ: الْمُفَتَّتُ بِمَرَقِ اللَّحْمِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ اللَّحْمُ، وَالثَّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ: الْخُبْزُ الْمُفَتَّتُ فِي التَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْأَقِطِ .. وَنَحْوِهَا) (عون المعبود وحاشية ابن القيم 10/ 183).

7 ـ القديد: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ:(أَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْقَدِيدَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ قَدِيدِ الْأَضْحَى)، قال السندي: القَديد: هو اللحم المملوح المجفَف في الشمس، (مسند أحمد، ط: الرسالة (22/ 388)، وفي (صحيح البخاري 7/ 78)، وعَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ:(رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أُتِيَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ .. الحديث)، الحديث فيه:(أن القديد كان من طعام النبى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وسلف الأمة) (شرح صحيح البخارى لابن بطال 9/ 497)، وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ:(أَتَى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ) (سنن ابن ماجه 2/ 1101).

8 ـ الخزيرة: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ:(كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فِي بَيْتِي ، فَأَتَتْهُ فَاطِمَةُ ـ رضي الله عنها ـ بِبُرْمَةٍ)، البُرْمَة: القِدر مطلقًا، وجمعها بِرَام، وهي في الأصل المتّخَذة من الحجر المعروف في الحجاز واليمن، وقد تكررت في الحديث، (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير 1/ 121)، و(برم) ـ فِيهَا خَزِيرَةٌ ـ (الخَزِيرَة: لَحْمٌ يَقَطَّع صغارًا ويُصَبُّ عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وقيل: هي حساء من دقيق ودسم، وقيل: إذا كان من دقيق فهي حريرة، وإذا كان من نخالة فهو خزيرة) (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير 2/ 28)، (خزر) ـ دَخَلَتْ بِهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي زَوْجَكِ وَابْنَيْكِ، قَالَتْ: فَجَاءَ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ وَالْحَسَنُ ـ رضي الله عنهم ـ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَجَلَسُوا يَأكُلُونَ مِنْ تِلْكَ الْخَزِيرَةِ، قَالَتْ: وَأَنَا أُصَلِّي فِي الْحُجْرَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ـ عز وجل ـ هَذِهِ الْآيَة:(إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) قَالَتْ ـ رَضِيَ الله عَنْهَا ـ فَأَخَذَ (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ) فَضْل الْكِسَاء فَغَطاهُمْ بِهِ، ثُمَّ أَخْرُج يَده فَأَلْوَى بِهَا إِلَى السمَاء، ثُم قَالَ:(اللهُم هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي وَخَاصَّتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرجْس وَطَهرْهُمْ تَطْهِيرًا)، قَالَتْ: فَأَدْخَلْت رَأْسِي الْبَيْت فَقُلْت وَأَنَا مَعَكُمْ يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ، إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ) (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 15/ 480) .. صلوا على هذا النبي الطيب الذي لا يأكل إلا طيبا.

[email protected]*