نجوى عبداللطيف جناحي:في شهر رمضان يستثمر المسلمون أوقاتهم في عبادة الله، فيكثرون الاعتكاف، وقراءة القرآن وذكر الله وتسبيحه، ويجودون بالصدقات، مبتهلين له بالدعاء ومتضرعين محتسبين طالبين الرحمة والمغفرة، وهم يطرقون أبواب الأجر بفعل الصالحات. ومن هذه الأبواب باب التطوع لخدمة الناس، فبه نتقرب إلى الله لننال حبه ورضاه، فالتطوع يعني بذل الوقت والجهد والخبرات لمساعدة الناس وقضاء حوائجهم دون مقابل مادي، طالبين رضا المولى عزَّ وجلَّ. فعن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِي مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجدِ، يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا، ومَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، ولَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ، وإِنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ).فما أعظم هذا الحديث الشريف إنه يختصر جميع معاني التطوع، ومجالاته، وآدابه، في كلمات موجزة، ليجعل التطوع لخدمة الناس ومساعدتهم وسيلة لنيل محبة الله ورضاه، ففي هذا الحديث بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يحب من يقدم خدمات تطوعية للناس جميعا، ولم يختص هذه الخدمات بالمسلمين، بل جعلها لجميع الناس على اختلاف دياناتهم وأجناسهم. فهناك حديث آخر يؤكد هذا المبدأ عندما قال عليه الصلاة والسلام في كل كبد رطبة أجر، فالعمل التطوعي يستهدف جميع فآت المجتمع كالأطفال، المسنين، والشباب، والمعوقين، والمرضى، على اختلاف دياناتهم ولغاتهم وأعراقهم، بل إن الخدمات التطوعية تمتد لتشمل رعاية جميع المخلوقات كالحيوانات والنباتات والزروع والبيئة بصورة عامة، وتحسين شؤون المنطقة مثل إماطة الأذى عن الطريق أي تنظيف الشواطئ والطرقات والحدائق، وتنظيف وصيانة المساجد وغيرها من الأماكن العامة.ويبيِّن الحديث النبوي الشريف معنى التطوع لخدمة الناس بأنه تقديم المساعدة والعون المادي، وهو ما نسميه بالعمل الخيري، فيقدم المسلم المساعدة للمحتاجين كسداد الديون، وتفريج الكربة والمساعدة في توفير نفقات علاج المرضى ونفقات الدراسة لطلبة العلم، ونفقات شراء الأجهزة المعينة للمعوقين والمسنين من الكراسي المتحركة أو العصي البيضاء أو السماعات للصم، وتوفير الاحتياجات الأساسية كالطعام والشراب والملابس والمسكن الملائم للمحتاجين، وغيرها من المساعدات.كما أكد الحديث الشريف على أن محبة الله لا تُنال بالصدقات فقط وبتقديم الإعانات فقط، بل بتقديم الخدمات للناس وبمساعدتهم، كإعانة المعوق لقضاء حوائجه، وتقديم استشارات المجانية كأن يقدم المحامي استشارات مجانية للمحتاجين، وكذلك يفعل الطبيب والصيدلاني، أو شرح الدروس لمن يستصعب عليهم فهم الدرس من المعلم في المدرسة، ونقل من يحتاج في سيارته الخاصة إلى المكان الذي يقصده، وتخليص المعاملات والإجراءات في الجهات ذات العلاقة للأسر التي لا تعرف كيف تحصل على خدمات من الجهات المختصة، أو المساعدة في حل المشاكل الأسرية، وتوجيه الأبناء ومساعدتهم للسير في الطريق الصحيح وغيرها من المساعدات، والواقع أن تقديم العون والخدمات لا يكون للفقير فقط، بل لجميع من يحتاج المساعدة.بل إن هذا الحديث يذهب بالعمل التطوعي إلى أبعد من العمل الخيري، وتقديم الخدمات والمساعدة، فهو يُعد إدخال السرور على القلوب وإسعادها وسيلة لكسب محبة الله، فمن طرق التطوع لإسعاد الناس، مواساة المرضى وتقديم الدعم النفسي لهم، لا سيما أصحاب الأمراض المزمنة ومساعدتهم على التأقلم والتكيف مع المرض، وكذلك مساندة أهلهم وذويهم، وتنظيم البرامج الترفيهية والبرامج الاجتماعية للمرضى الملازمين للسرير، سواء بالمنزل أو بالمستشفى، وكذلك تقديم برامج الإدماج في المجتمع للمسنين مثل تنظيم حملات للعمرة أو سفرات جماعية لهم، فيدخلون السرور على قلوبهم، وتعزية أهل الميت ومساندتهم النفسية، ومواساة أصحاب الهموم والمشاكل.ويؤكد هذا الحديث الشريف على حسن أخلاق المتطوعين وحسن معاملتهم للناس، فهو شرط لقبول هذا العمل الصالح، فلا يتبع تلك الخدمات التطوعية بالمن والأذى، ولا بالتذمر والغضب والسخط، ولا بالتربح والتكسب، فعليه أن يتحلى بلين الطبع.فعلى المسلم الإكثار من فعل الصالحات في شهر رمضان المبارك، فيستثمر وقته في العمل التطوعي لخدمة الناس، لا سيما في رمضان، مستغلا بذلك نعمتين أنعمهما الله عليه وهما الصحة والفراغ، فعن عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنهما ، أن النبيَّ قال: (نعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ).فعلينا أن نقضي أيام وليالي هذا الشهر الفضيل في مساعدة وإسعاد الناس بدلا من أن نقضيها في جلسات السمر، ولنتذكر أن الأقربين أولى بالمعروف فلنبدأ بخدمتهم ومساعدتهم وإسعادهم لننال محبة الله... ودمتم أبناء قومي سالمين. كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري [email protected] تويتر: @Najwa.janahi