نجوى عبداللطيف جناحي:قد نعترف بأننا لا نستخدم جميع قوانا الجسدية، قد نجتهد جميعنا لتنمية قوانا الجسدية، فندرب أجسامنا لنستطيع الجري لمدة أطول وبسرعة أكبر، وقد ندرب أجسادنا لنستطيع حمل أوزانا أكثر، وقد ندربها لنستطيع القفز والنط والتسلق، فدعونا نعترف أننا كبشر لا نستخدم قوانا الجسدية إلا عندما نضطر لاستخدامها بحسب الظروف المحيطة بنا، وبحسب ظروف معيشتنا وحاجتنا لهذه القدرة الجسدية. فالناس في الدول التي لا تعتمد على السيارة كوسيلة نقل بالدرجة الأولى، وتعتمد على المشي أو سياقة الدراجة، يرفعون من قدراتهم الجسدية ليتمكنوا من ممارسة هذين النشاطين ليقضوا مشاويرهم بسرعة أكبر. وتجد الناس في المجتمعات التي لا تتوافر فيها آلات وأجهزة لنقل الأثقال، سواء في حمل مواد البناء أو حمل المنتجات الزراعة أو غيرها فيضطرون لحمل هذه الأثقال معتمدين على قوة أجسادهم، لذا تجد قواهم البدنية تمكنهم من حمل تلك الأثقال. وعلينا أن نعترف بأننا لا نستخدم جميع قوانا الجسدية التي وهبنا الله إياها إلا عندما نضطر لذلك، فنحن نميل للكسل والركون والراحة.فإن اعترفنا بأننا لا نستخدم جميع قوانا الجسدية، إلا أننا لن نعترف بأننا لا نستخدم جميع قوانا العقلية، فنحن بطبيعتنا نعتز بعقولنا ونتقبلها مهما كانت قاصرة ومحدودة، ولا نتقبل الاعتراف بضعف قوانا العقلية، فقديما قالوا: (رضيت الناس بعقولها وما رضيت بأرزاقها). وبالتالي لن نجتهد لتطوير وتدريب قوانا العقلية. وهنا تكمن المشكلة، وتتفاقم تلك المشكلة لتتحول إلى معضلة عندما نعلم أن الإنسان لم يستخدم إلا (10%) من قدراته العقلية، هذا ما أكده علماء النفس في جامعة هارفر في القرن التاسع عشر.لقد وهب الله الإنسان عقلا معقدا مركبا، به إمكانات كبيرة وقدرات متنوعة، فالعقل هو الذي يعقل ويتحكم في سلوك الإنسان. فعلى الرغم من أننا ندعي أننا في كامل قوانا العقلية، إلا أن الكثير من قوانا العقلية قد ضمرت بسبب عدم استخدامها، وعدم اهتمامانا بتدريبها لعدم حاجتنا لهذه القدرات العقلية، بالضبط كما يحدث مع قوانا الجسدية، فعندما لا نحتاجها تضمر وتضعف. فدعونا نعترف بأننا لا نستخدم الكثير من قوانا العقلية، حتى بدأنا نشك أننا لسنا بكامل قوانا العقلية. والمشكلة أننا نأبى ونتعالى إن دعينا لتنمية عقولنا وتشغيلها، ولعل تلك نزعة غرور مزروعة في نفوسنا وهي التباهي بعقولنا حتى لو كانت ضعيفة.إننا لا ندرب عقولنا لنزيد من قدرتنا على تخزين المعلومات ثم استرجاعها وقت الحاجة، فدعونا نعترف أننا اعتمدنا على التكنولوجيا إلى درجة كبيرة جعلت بعض قوانا العقلية تضمر، فنحن نقرأ أن السابقين كانوا يحفظون المعلقات الشعرية والمكونة من مئات الأبيات الشعرية، وكانوا يحفظون القرآن كاملا منذ الطفولة، وهم قادرون على حفظ أسمائهم وأسماء أجدادهم، وأجداد أجدادهم أجيالا وأجيال فيحفظون شجر العائلة كاملة، ويحفظون أحداثا شهدوها، وينقلون أحداثا شهدها من قبلهم، فيتناقلونها من جيل إلى جيل. فقد كانوا يحفظون التاريخ في عقولهم، وبهذه القدرة العقلية، نقلوا الأحاديث النبوية الشريفة، ونقلوا الروايات والأحداث التاريخية، فقدرتهم على تخزين وحفظ المعلومات تفوق قدرة عقولنا اليوم. وبمعنى آخر لقد ضمرت هذه القدرة العقلية (تخزين المعلومات واستدعاؤها عند الحاجة) لدى أغلبنا معتمدين على وسائل التدوين الإلكترونية، بل وساء الأمر عندما بدأنا نعتمد على برامج الحاسوب في استدعاء المعلومات، فلا حاجة لنا لأن نتذكر المعلومة، فما علينا إلا أن نسأل الشيخ (جوجل) فيجيب علينا في ثوانٍ.إننا لا ندرب عقولنا على التعرف على الأماكن والأشكال بأبعادها الثلاثة، والقدرة على فهم الخرائط والمخططات. فالكثير منا لم يعد قادرا على تحديد الجهات الأصلية، والفرعية، فلا يعرف الشمال من الجنوب، ويحار بين مشرق الأرض ومغربها معتمدا على البوصلة بدلا من قوته العقلية، ولم نعد نميز بين مواقع النجوم ومنازلها، وضمرت قدرتنا على حفظ الطرقات، فقد كان الإنسان يعتمد على عقله في تحديد طريقه في عرض الصحراء وفي عرض البحر، فأرحنا عقولنا واعتمدنا على البرامج الإلكترونية (جوجل ماب) التي تدلنا الطريق، حتى ضمرت تلك القدرة العقلية.إننا لا ندرب عقولنا على التعامل مع الأرقام وإجراء العمليات الحسابية، واستنتاج جدول الضرب أو حفظه، فنجمع ونطرح، أو نقسم، ونعد قوائم الأرقام، فقد استغنينا عن عقولنا باستخدام الآلة الحاسبة، أو استخدام برامج الحاسوب، لا سيما في زمن الهواتف الذكية، فالآلة الحاسبة في متناول أيدينا أينما كنا، سواء كنا في محل تجاري، أو مطعم، أو في العمل، حتى ضمرت تلك القدرة العقلية.والحقيقة أن هناك الكثير من القدرات العقلية التي خسرها الإنسان؛ لأنه اعتمد على الآلة أو وسائل أخرى تعينه، فيبقى السؤال: ماذا بقي من قوانا العقلية؟ وكم خسر الإنسان من تلك القدرات؟ وهل سيخسر المزيد من قدراته حتى يخسر الإنسان قوته العقلية، فيصبح ضعيف العقل؟ فما يميز الإنسان عن باقي المخلوقات هو قوته العقلية. فلننقذ عقولنا، ولنركز على تدريبها وتنمية قوانا العقلية وإلا لن نكون في كامل قوانا العقلية... ودمتم أبناء قومي سالمين. كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري [email protected] @Najwa.janahi