نجوى عبداللطيف جناحي:استأذنت من المُنسِّقة لأقابلها علَّها تقضي حاجة لي أنشدها منها، لكنني شغلت عن حاجتي هذه عندما دخلت مكتبها، فاستوقفتني عبارات تدعو للسعادة وضعتها في كل زاوية من زوايا مكتبها، على طاولتها، على الجدران، وفي زوايا الغرفة، والأهم من تلك العبارات، وجدت ملامح السعادة تشع من عينيها، من ابتسامتها العريضة، من أناقتها التي تعبِّر عن الفرح، ومن عبارات الترحيب التي أسمعتني إياها حتى أشعرتني بأنني مصدر سعادة بالنسبة لها، غمرتني بمشاعر جميلة واستعذبت أحاديثها اللطيفة حتى نسيت طلبي الذي جئت لأجله.فسألتها ما قصة العبارات التي تدعو للسعادة التي تعلقينها في زوايا مكتبك، ابتسمت ابتسامة من وصل لغايته، قالت: أنا أؤمن بأن الإنسان السعيد أكثر قدرة على الإنجاز والعطاء، لذا فأنا أركز على تدريب كل من ينتسب لهذه المؤسسة على السعادة، وأسعى لنشر السعادة في كل زاوية من زوايا هذه المؤسسة، كثير من المديرين يركِّزون على رفع كفاءة الموظف وتدريبه في مجال اختصاصه، وإكسابه المهارات الإدارية، أما أنا فهَمِّي الأكبر أن أجعل منتسبي هذه المؤسسة سعداء في عملهم، فالإنسان السعيد يكون أكثر قدرة على الإنجاز، وأكثر إتقانا في عمله.قلت: أرى في ابتسامتك في أجواء مكتبك في تعاملك ما يبعث على السعادة في القلب من الوهلة الأولى، لكن بالله عليك كيف تدَّعين أنك قادرة على إسعاد كل من ينتسب لهذه المؤسسة، رغم أن رضا الناس غاية لا تدرك، فأحوال الموظفين معروفة في كل مكان، فهم بين محبط لعدم حصوله على الترقية، وبين حزين لأنه يتطلع لوظيفة أفضل، ومنهم من يشكو ثقل المسؤوليات التي على كاهله، ومنهم من يعاني من خلافات مع زملائه، فإن أسعدتِ البعض عزف الباقي بعيدا عن محراب السعادة؟!ألقت بظهرها على المقعد باعتزاز المنتصر، وكأنها كانت تنتظرني أن أطرح هذا السؤال لتوصل لي رسالة آمنت بها وتحرص على نشرها بين الناس: معادلات السعادة سهلة المنال، فهي بين أيدينا وأنا أجتهد لإحيائها في قلوب كل من يعمل في هذه المؤسسة:فنحن ننال السعادة عندما نملك عالما في أعماقنا نجد فيه الأنس والجمال والثراء، عالما يغنينا عن اللهث خلف حياة غيرنا، وأن ندرك أن تحقيق الإنجازات يحتاج لوقت وأن التقدم لا يظهر دائما على الفور، فعلينا السعي لكن النتيجة قدر مكتوب، فلا نبالغ في الاستعداد لأي هدف وننسى متعة الطريق. وعلينا ألا ننشغل بخصوصيات غيرنا، ولا ننشغل بإرضاء الآخرين، بل ننشغل برسالة نؤمن بها ونجتهد لتحقيقها. وعلينا وأن نتصالح مع الماضي، وأن نركز على العطاء دون الأخذ. وننال السعادة عندما ننشغل بالأشياء التي يمكن السيطرة عليها، وبالطبع ستكون السعادة بين أيدينا بابتسامة نحافظ عليها مرسومة على شفتينا فتغمر قلوبنا، وعندما نكون ممتنين لنعم الله ـ التي لا تُعد ولا تحصى ـ تصفو قلوبنا وتغمرها السعادة.ننال السعادة عندما نطور مرونتنا العقلية التي هي أشبه بالمرونة الجسدية، وعندما نحتفظ بقوتنا ولا نتنازل عنها، لكننا نتسامح ونتنازل ونرفق بالآخرين.حدثت نفسي قائلة: هي تتحدث عن سهولة نيل السعادة، فلعلَّها قد نالت كل غاياتها ومرادها من دنياها، ولكل امرئ نصيب من اسمه، فاسمها منال بنت آل سنان، هي من أسرة كريمة معروفة في البحرين ويبدو أنها نالت كل مبتغاها.خرجت من مكتبها بعد أن وعدتني بتلبية حاجتي التي جئت لأجلها، وقفت أحادث المُنسِّقة، فقلت لها يبدو أن الأستاذة منال قد نالت كل ما ترجوه في هذه الدنيا؛ فهي تنعم بالسعادة فتجود بما يفيض منها للآخرين، فابتسمت ابتسامة أسى وقالت: بل هي تجرعت كأس الخوف من ألم الفقد، فقد تألمت لإصابة أقرب الناس لها بأصعب الأمراض علاجا، فتمسكت بزمام السعادة، وانتهى بها الأمر أن خطف الموت منها فلذة كبدها، صغيرها وحبيبها، لكنها آمنت أن في سعادة القلب عبادة تتقرب بها إلى الله، فسعادة القلب وراحته دليل الرضا بقضائه.تثاقلت خطواتي عن الخروج لهول الصدمة، فمن يراها يشعر أن الله قد أنعم عليها بجميع النعم، وأنها لم تجرب قط مرارة الحرمان، أدركت أنها نجحت في توصيل رسالتها؛ لأنها مؤمنة بها، وهي تطبقها؛ لتكون خير قدوة، فعلمت أن السعادة لا تنشد بل هي بين أيدينا... ودمتم أبناء قومي سالمين. كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري [email protected] @Najwa.janahi