د. خصيب بن عبدالله القريني:
تمثل العلاقات الاجتماعية بين الأفراد مجالا واسعا لتبادل الخبرات والمعارف والمهارات المختلفة، وهي في الأساس تعالج جوانب نفسية عديدة، لعل أبرزها شعور الفرد بأهميته ضمن الجماعة التي ينتمي لها، وهذا بحد ذاته متطلب مهم يركز عليه علماء النفس، وهو أحد الاحتياجات الأساسية للفرد. فمعظم حالات الاكتئاب والانتحار التي تحدث في دول العالم هي في الأساس نتاج لغياب دور الجماعة، وعدم وجود شعور لدى الأفراد بأهميتهم وعدم إحساسهم بالتقدير، وكل ذلك ناتج من وجود انعزالية مفرطة لا ينتج منها سوى أمراض نفسية مقيتة تجر الفرد إلى الهاوية، ولست هنا في مقام البحث عن تلك النتائج، خصوصا في تلك المجتمعات الغربية.
إن وجود رابط اجتماعي لدى مجتمعنا يتمثل في قدرة الفرد على مشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم هو مؤشر إيجابي ظاهريا، ويعمل على التوافق النفسي للفرد ـ كما أشرنا في مقدمة المقال ـ مع ما يتركه من أثر على الجماعة في الأساس. لكن السؤال المطروح هنا: هل كل تكوين اجتماعي في بقعة جغرافية ما هو في النهاية يصب في مصلحة الفرد؟ أم يمكن أن ينعكس ذلك سلبا على حياته في نواحي أخرى؟ وهل عدم وجود تكون مجتمعي في الغرب وميل الفرد للعزلة هو مؤشر سلبي لا ينتج منه سوى حالات نفسية سلبية؟
لا شك أن التوازن في هذا الجانب هو الأساس، فلو تحدثنا عن مجتمعنا لرأينا أن غالبية ما نمارسه من عادات سيئة، خصوصا تلك المتعلقة بالجوانب المادية هي في النهاية رهينة بارتباطنا بالجماعة، فأنت لا تستطيع أن تبني بيتا يناسب إمكاناتك، بل يجب أن يناسب مستوى الجماعة، حيث أتذكر أحدهم وأنا أناقشه في أن يبني بيتا يناسب مستوى دخله المادي وعدد أفراد أسرته الذي لا يتجاوز الثلاثة، فيرد عليَّ بأنه لا يمكن أن يقوم ببناء بيت من طابق واحد؛ لأن غالبية جيرانه يمتلكون بيتا من طابقين، وبالتالي ليس بمقدوره أن يشعر بأنه أقل منهم، وبالتالي يجب عليه أن يساير الجماعة حتى لو كلفه الأمر أن يدخل السجن لاحقا لعدم تمكنه من سداد القرض الذي أخذه لبناء بيت ليس بحاجته بهذا الشكل وهذه الإمكانات سوى أنه يجاري الجماعة. وقس الأمر على بقية الجوانب، سواء تعلق الأمر بالسيارة التي يجب أن تكون من طراز ومستوى لا يقل عن مستوى الجماعة، بل وصل الأمر لمستويات غير معقولة في مسألة سيطرة فكرة الجماعة، وكل ذلك ينصب في غالبيته على الجانب الظاهري المتمثل في القشور؛ لأن الجماعة في الأساس لا يعنيها سوى هذا الأمر، فلا تجده يريد أن يطور من نفسه علميا مثالا أو ثقافيا؛ لأن الجماعة لا تأخذ بذلك ولا تهتم به، بل قد تحاربه لأن ذلك لا يمكن شراؤه بالمال ولا يستطيع الوصول لهذا المستوى إلا أصحاب الإمكانات والهمم العالية. وهنا في اعتقادي الشخصي تكون العلاقات المجتمعية وبالًا على الفرد وليس في مصلحته، في تناقض عجيب مع الغرب الذي لا يأبه بما ينظر إليه الناس، وبالتالي يهتم بتطوير نفسه وإمكاناته، ويوجِّه موارده لتنمية ذاته التي في النهاية تسهم في تنمية وتطور بلده، بعيدا عن ماذا قال فلان؟ وماذا أجاب علان؟
إن قدرتنا على توجيه بوصلة العلاقات الاجتماعية بحيث تركز على استفادة الفرد منها إيجابيا؛ وتبصيره بعواقب ممارسته لأعمال هدفها فقط إرضاء الجماعة هي المقياس الحقيقي لقدرتنا على بناء منظومة اجتماعية قوية مبنية على أسس ومعايير تتفق مع ديننا الإسلامي في المقام الأول، ومع الظروف المعيشية التي تتطلب قدرا كبيرا من النظر للأمور من وجهة نظر واقعية بعيدا عن المظاهر الخداعة؛ وعلى الأفراد المؤثرين في المجتمع والمؤسسات المجتمعية تطبيق ذلك عليهم أولا حتى يسهل على بقية أفراد المجتمع تطبيق ذلك عليهم لاحقا دون خوف من سيف الجماعة. ولا يتأتى ذلك إلا بالوقوف جميعا في صف "فاشينستا" وسائط التواصل الاجتماعي التي هي الأخرى تعمق تلك الجوانب السلبية، خصوصا تلك المرتبطة بالشراء غير المبرر المرتبط بالتباهي المجتمعي الزائف.

[email protected]