نجوى عبداللطيف جناحي:
ما أكثر مشاهير هذا الزمان، وما أسهل أن تنال الشهرة، فمنصات التواصل الاجتماعي بين أيدي الجميع، والمشاهدون ينهالون على حسابات المشاهير من كل حدب وصوب، ويا لسعادة هؤلاء المشاهير، فهم يحققون مكاسب مادية، ناهيك عن المكاسب الاجتماعية، هدايا الفاخرة، وسيارات، وحقائب، وملابس، وإقامات في الفنادق الراقية، ودعوات لتناول الوجبات في أغلى المطاعم، وتذاكر سفر على متن أفخم الطائرات، ليقضوا أياما جميلة في أفضل المنتجعات، ومبالغ مالية طائلة تتخم حساباتهم البنكية، حتى تحول هؤلاء المشاهير بين ليلة وضحاها إلى أثرياء، دون جهد أو تعب!!! ولكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا قدموا ليشتهروا بين الناس؟ تصفح عزيزي القارئ حسابات هؤلاء المشاهير، ستجدهم يتحدثون عن حياتهم اليومية، رحلات وأسفار، أكواب جميلة، وأطباق طعام مزينة، وجلسات استرخاء لتعرف كل تفاصيل حياتهم، ماذا أكلوا؟ ماذا شربوا؟ وماذا لبسوا؟ وكيف استقبلوا الزوار؟ حتى تشعر أنك تعيش معهم وتعرف أدق تفاصيل حياتهم اليومية، والغريب في أمرهم أنك تبحث عن فن يُطرح أو فكر يُعرض، فلا تجد، فحساباتهم خاوية من أية إنجاز، فتتساءل: على ماذا يتهافت المتابعون على حساباتهم؟ سؤال يشق على أمثالي جوابه!!! إن شهرتهم بين الناس وإقبال المتابعين على مشاهدة حساباتهم جعلتهم مقصدا لأصحاب المحلات والمصانع، ليروجوا لمنتجاتهم وسلعهم. فأصبحوا معلنين ومروِّجين يتقاضون مبالغ كبيرة مقابل هذا الترويج، بالله عليك هل وجدت في حساباتهم إبداعات شعرية؟! أو لوحات فنية نافست لوحات المبدعين السابقين، وأضافت الجديد في عالم الفن؟ أو روايات؟ أو فكر يطرح؟ أو اختراعات وابتكارات تفيد البشرية؟ لعمري إن حسابات غالبية المشاهير ما هي إلا منصة لإعلانات تجارية!!! فهل هؤلاء هم قدوة شبابنا، هم الرموز الذين يتأثرون بهم؟!!! فآهٍ منك يا هذا الزمان.
آهٍ منك يا زمان الغربة، غربة المبدعين والمثقفين والمفكرين، فهم بفكرهم وبإبداعاتهم وبإسهاماتهم باتوا غرباء، فالناس قد أعرضوا عنهم، واتجهت أنظارهم لمن لا فكر له، ولمن لا يعرف للإبداع طريقا، آهٍ منك يا زمان الغربة فالفنانون والمبدعون الذين يضيفون لحضارة هذا الزمان مهمشون فلا أذن تسمع إبداعاتهم، ولا عين تقرأ إنجازاتهم، فلم يعد هناك ارتباط بين الفن بين الشهرة، كما كان الحال في زمان ما، يوم أن كانت الشهرة من نصيب المبدعين، يوم أن كان الناس يتابعون أخبار من له إضافات وإنجازات في عالم الفن والفكر والثقافة والعلوم.
آهٍ منك يا زمان يعرض الناس فيه عن اللبيب ويلجأ لذي العقل البسيط، حتى بات العقلاء غرباء بين أهلهم وناسهم، فوقعوا فريسة لليأس والإحباط، وكم منهم من وأد إبداعاته في مهدها، وحاد عن درب الإنجاز والابتكار ليلحق بدرب مشاهير هذا الزمان، فيخوض مع الخائضين، حتى يغدو ذلك المبدع المميز في عداد المنسيين ويتحول لمتابع يلهث وراء المشاهير.
أين أنتم أيها الرموز الذين يقتدي بهم الشباب؟! وأين أنتم أيها القامات التي تسطر إنجازاتكم صفحات في تاريخ الأوطان؟! رحماك يا رب العباد. ماذا يخط قلم تاريخ هذا الزمان؟! قصة مشهورات أبدعن في عرض المكياج، وتفنن في الدلال أمام شاشات الهاتف النقال، أم تاريخ مشهور أبدع في عرض النكت والتهريج؟! ترى على من نلقي باللوم؟ على المشاهير أم على المتابعين الذين لهثوا وراءهم فصنعوا منهم رموزا وصنعوا منهم قامات كأنها أعجاز نخل خاوية؟! فمهلا يا قلب مهلا، ما بالك تتوجع من هذا الزمان، ما بالك تعيب أيامه ولياليه، ألم تسمع قول الشاعر:
نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لهجانا
فدع عنك اللوم والعتاب، واعْلُ بصوت الحق لتعود الأمور إلى النصاب، لا تيأس من أبناء هذا الزمان، فابعث الأمل في قلب من له عقل راجح، فلا تستسلم لموج هائج وثق بأن الصحيح لن يصح إلا بعزم الأقوياء، فالشهرة الجوفاء ما هي إلا فقاعة صابون لا تدوم، ولنجعل المبدعين هم المشاهير، هم الرموز الذين يقتدي بهم الشباب، ولنسطر إنجازاتهم في صفحات تاريخ زماننا بكل فخر، وثق بأن:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة
بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه
بالرأي قبل تطاعن الأقران

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري [email protected] تويتر: @Najwa.janahi