نجوى عبداللطيف جناحي:كم مرة خطرت ببالك فكرة اعتقدت بأنها فكرة عبقرية، تفيد الناس وتسهم في حل مشكلة ما، وتتمنى لو تُنفذها وتحولها إلى واقع، لكنك تتجاهلها فتمر بخاطرك مر السحاب، وفجأة ترى أن هناك من فكر في الفكرة نفسها، لكنه لم يفرط فيها، بل روج لها وأقنع الناس بها ونفذها، واستفاد منها الناس، وربما عادت عليه بمكاسب اجتماعية ومالية كثيرة؟ هكذا تبدأ الاختراعات بفكرة، وهكذا يبدأ التطوير بفكرة، وما بداية قصص النجاح إلا بفكرة، فالفكرة هي الشرارة الأولى التي توقد شعلة الحضارات والتقدم، ولكن كثيرا من أصحاب العقول المبدعة لا يعرفون قيمة أفكارهم، فيتجاهلونها خجلا من الناس لغرابتها، أو ربما ضعفا منهم فلا يقدمونها للناس ولا يدافعون عنها، فتوأد في مهدها، فتأمل فيما قاله توماس أديسون: (قيمة الفكرة تعتمد على استعمالها)، لذا عليك ألا تستهين بأفكارك مهمها كانت غرابتها. فالفكرة لها وزن وقيمة وثمن فلا يجب أن تفرط فيها، ولا يكفي أن يكون لك عقل ولَّاد مبدع ينتج الأفكار، بل عليك أن تعرف كيف تتمسك بهذه الأفكار، وتقنع الناس بها، وتنفذها، فيقول وليام أوسلر(في الاكتشافات العلمية، يذهب التقدير لمن يقنع الناس بها، وليس لمن تأتيه الفكرة أولًا).ومن المعروف أن الكثير من أصحاب الأفكار يجدون صعوبة في إقناع الناس بفكرتهم، وتنفيذها وتحويلها لمشاريع واقعية تفيد الناس، تلك من أهم التحديات التي تواجه المبدعين في جميع المجالات، فكم سمعنا عن شعراء لم تكتشف روائعهم الشعرية إلا بعد موتهم، حيث يأتي من يتقن فن الترويج والإقناع فينشر القصائد ويسلط الأضواء عليها، وكذلك الحال مع الرسامين الذين بيعت لوحاتهم بمبالغ باهظة بعد موتهم، والحال نفسه مع المخترعين، واسرد ما شئت من الأمثلة. والمشكلة أن المبدع عندما يفشل في إقناع الناس بقبول إبداعاته والاستفادة منها يصاب بالإحباط الشديد، ويعاني من الانكسار، وكثيرا ما يصاب بردة فعل فإما يتحول لشخصية ناقمة متذمرة يائسة ذات نظرة سوداوية تجاه الناس والمجتمع، أو يتحول لشخصية عدوانية ثائرة ينتقد كل شيء حوله بعشوائية، أو يتحول إلى شخصية انطوائية منعزلة لكنه يواصل في إنتاجه الإبداعي، لتكون من مكنونات الأدراج ليأتي ورثته فيسوقون لإبداعاته ويستفيدون منها.وكثيرا ما كنت أتساءل: لم لا ينجح الكثير من المبدعين في الترويج لإنتاجهم؟ وفي تقديري أن السبب هو أن خصائص شخصية المبدع قد لا تساعده على الترويج لإبداعاته، فعادة ما يميل المبدع إلى العزلة والبعد عن الناس ليركز في إبداعاته وينشغل بها، وهذه العزلة تجعله يفتقد المعرفة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، كما أنه يفتقد مهارة التسويق والترويج وهي مهارة تتطلب القدرة على التفاعل الاجتماعي الواسع. وفي تقديري أن إنتاج الإبداع يحتاج لجناحين كي يحلق في سماء الواقع، جناح الإنتاج الفكري والإبداع وجناح التسويق والترويج، فلا بد من فتح قنوات التواصل بين هذين النوعين من الشخصيات، فالإنسان الذي يتمتع بصفات الشخصية الاجتماعية المسوقة والمروجة بحاجة لأن يكتشف منتجات إبداعية تستحق التسويق والإبراز والترويج وتسليط الأضواء عليها، فلا بد من إيجاد حلقة وصل بين الفئتين.وفي العصر الحديث أوجدت أساليب لإبراز إبداعات المبدعين بأنواعها المختلفة، سواء في مجال الأدب أو الفن أو الاختراعات العلمية أو حتى في مجال الطبخ، وهي متنوعة وكثيرة منها: معارض الأفكار، فقد استوقفتني بعض التجارب في الدول المتقدمة وعلى رأسها ألمانيا، وهي بلد لها قصص نجاح في تحويل أفكار أبنائها إلى مشاريع صناعية لها مردودها الاقتصادي، كصناعات السيارات، والأجهزة الإلكترونية وغيرها، فتجدهم يقيمون معارض متخصصة لبيع الأفكار، وفي تلك المعارض يشارك الشباب والكبار على حد سواء بعرض أفكارهم مهما كانت بسيطة، ويكون زوار هذا المعرض من أصحاب رؤوس الأموال ومن التجار ومن أصحاب المصانع والمعنيين بإدارتها، فيطلعون على الأفكار التي يطرحها المبدعون والمفكرون من الناس من خلال هذه المعارض، فيشترونها ليطوروا بها مصانعهم ومشاريعهم التجارية فتعود عليهم بالربح الوفير، بل إن بعض المصانع أنشأت أقساما متخصصة للبحوث والدراسات لتستفيد من تلك الإبداعات. ومن أساليب ترويج الإبداعات ظهور ما يسمى ببنوك الأفكار، وهي عبارة عن مواقع أو منصات إلكترونية أو حسابات في وسائل التواصل الاجتماعي، تعرض الأفكار الإبداعية التي يمكن تبنيها وتحويلها إلى مشاريع، وبذلك أصبحت مهمة المبدع سهلة، فكل ما عليه هو أن يطلع على طريقة التقديم في تلك المنصات الإلكترونية والمعارض ليعرض إبداعاته. ويتولى القائمون على تلك البنوك عملية الترويج لهذه الأفكار. والحقيقة أن الفكرة لها ثمن، ولكنها لن تقدر إن لم ينجح صاحب الفكرة في عرضها وإقناع الناس بها، لذا على أصحاب العقول المبدعة أن يتقنوا فن الإقناع ليعطوا لأفكارهم قيمة، كما يفعل النحات في الحجر الذي لا قيمة له، لكنه يحوله إلى تحف فنية تباع بأغلى الأثمان، إنه الإبداع في العرض، فتعلم كيف تستثمر أفكارك المتميزة، بالإبداع في الإقناع والعرض. فلا مناص من تدريب المبدعين على طريقة عرض إبداعاتهم وتنمية القدرة على الإقناع لديهم، وتشجيعهم وتعزيز الثقة لديهم، فالحضارات تبنى باكتشاف الإبداعات والاستفادة منها، فدعونا نضع لبنات في حضارتنا الشامخة، ونشيد فيها صروحا، لنكون خير خلف لخير سلف، ولنكون خير أسوة لمن بعدنا من الأجيال... ودمتم أبناء قومي سالمين.كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري [email protected] تويتر: @Najwa.janahi