نجوى عبداللطيف جناحي:
مرت السنون سراعا، ونحن نسير معا في طريق واحد، كم جمعتنا أيام حلوة وأخرى مرة، رفقة استهويتها وألفتها، رفقة لا غنى لي عنها، تعودت قربك مني، تعودت أحاديثك، وحتى مواقفك وتصرفاتك، دعني أعترف لك بكل صراحة أنه لم يبدر منك إلا كل خير، فيدك بيضاء في جميع المواقف، كم ساندتني، كم ساعدتني، وكم أعطيني، ولا أكاد أذكر منك موقفا يؤذيني أو يحزنني، ولا يزعجني، وأشهد الناس بأنك خير رفيق درب. ولكن!!! هناك سؤال يعلق في حلقي يكاد يخنقني، ويثقل صدري، وأخشى أن أبوح به لك فأكون ناكرا لرفقتك الطيبة، سأبوح بهذا السؤال فإن عز عليك الإجابة فلك أن تنساه وكأنك لم تسمعه. لمَ لمْ تعبر لي عن مشاعرك تجاهي قط بالكلمات الجميلة الحلوة؟ ما أقصر حياتنا نحن البشر، فدقات قلوبنا تذكرنا كل يوم أن الحياة دقائق وثوانٍ، فإذا ما رحلنا وفرق البين بيننا، وتجرعنا ألم الفقد والفراق، أفصحنا عن مشاعرنا على لحد أحبتنا، لعمري إن هذه الكلمات الحلوة جاءت بعد فوات الأوان، جاءت في وقت لا تسمن ولا تغني من جوع.
كم من الأحباب يكتم مشاعر الحب، فلا يفصح بها للمحبوب، فلا الابن يفصح لوالديه عنه حبه لهما، ولا الوالدان لأبنائهما، ولا الإخوة لبعضهم البعض، ولا الزوجان لبعضهما البعض، ولا الصديق لصديقه، ولا الجار لجاره، تلك ثقافة مجتمعنا، عجبي!!! في الوقت الذي نستصعب البوح بمشاعر الحب، نفخر بتجرئنا بالبوح بالمشاعر السلبية تجاه الطرف الآخر، ونعتبرها صراحة وشجاعة. ويبقى السؤال المحير: لماذا نستصعب البوح بالكلمات الحلوة والتعبير عن المشاعر الجميلة؟
أهي ثقافة مجتمعاتنا وعادات ألفناها فنعتبر التعبير عن مشاعر الحب للكبار يخل بوقارنا؟!! لست أدري!! أم أنه الخجل؟!! فنعتبر التعبير عن مشاعر الحب للكبار عيبا؟!!! لست أدري!! فنحن لا نعبر عن مشاعر الحب إلا للأطفال. أم أنه الخوف من صد الطرف الآخر لنا، وفتور تقبل المشاعر الحارة؟!! لست أدري!!! أم أنه الخوف من استغلال الطرف الآخر لمشاعر الحب؟! لست أدري!! أم أننا نرى أن التعبير عن مشاعر الحب حديث لا أهمية له ولا داعي له، وهو يأتي من باب الثرثرة؟!!! أيضا لست أدري!!!
مهما كان جواب هذه التساؤلات، ومهما كانت الأسباب لكن النتيجة واحدة. إننا نعيش ونموت ظمأى لكلمة حب تثلج صدورنا، وتعطينا طاقة فتشع قلوبنا حبا للآخرين، فتلك فطرة فطرنا الله عليها وهي الحاجة للحب، والحاجة لسماع الكلمات الحلوة الطيبة، لنعيش مترابطين متحابين، ألم تسمع عن العلاج بالحب؟ نعم.. فكم من معوق، وكم ومن مريض، وكم من مهموم استطاع أن يتغلب على التحديات التي يواجهها بحب أفراد أسرته له، بكلماتهم المحفزة له، بالتعبير عن قبولهم له بالرغم من ظروفه والابتلاء الذي يواجهه.
يظن البعض أن التعبير عن الحب بالمساندة، بالاحترام، بحسن المعاملة يكفي، لعل هذا الفهم يحتاج لتصحيح، فعلى الرغم من أهمية التعبير عن الحب بالمواقف والتصرفات، إلا أن التعبير عن الحب بالكلمات، وتعابير الوجه كالابتسامة ونظرات الحب، والتواصل الجسدي كالمسح على الرأس من الوسائل المهمة للتعبير عن المحبة، فالرسول على أفضل الصلوات والسلام أوصى بالتعبير عن مشاعر الحب لليتيم بالمسح على الرأس، فاليتيم يفتقد حب الأب فدعا جميع الناس بالتشارك في تعويضه عن الحب المفقود. ليس بالكفالة فقط، بل بتعويضه بالحب والحنان، والتعبير عن هذا الحب ليس بالعطاء والكفالة فقط، بل بالتواصل الجسدي وهو المسح على الرأس بحنان وعطف وحب. ولعل هذا الدرس النبوي البليغ أحد الأمثلة أسوقها لبيان أن الإنسان بطبيعته يحتاج للتعبير عن الحب ليس بالمواقف فقط، بل بالكلمات الطيبة. فالأسرة التي يعرف أفرادها أن يعبروا عن مشاعر الحب، يسود جو البيت السكون والألفة والسكينة، فينشأ الفرد شخصا متزنا هادئا ويسمو بنفسه ويعيد للروح حيويته، فقل لمن تحب (إني أحبك) قبل فراقه، حينها تندم ولات حين ندم.

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري
[email protected] ت
ويتر: @Najwa.janahi