[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2019/10/kotaity.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خميس بن عبيد القطيطي[/author]
مرت قبل أيام مناسبة تاريخية عمانية مهمة، وهي ذكرى رحيل الإمام سيف بن سلطان اليعربي الملقب بـ(قيد الأرض) الذي كانت وفاته بتاريخ الـ14 من أكتوبر 1711م، وبلا شك أن السلطنة تمتلك إرثا تاريخيا غزيرا ومناسبات تاريخية كثيرة، وهذه المناسبات والذكريات تستوجب من المؤسسات الثقافية والإعلامية الاحتفاء بها وإيلاءها حقها، لا سيما المئويات للقادة العظام الذين صنعوا جزءا من تاريخ عمان عبر العصور، والإمام سيف بن سلطان اليعربي يعد من القادة العمانيين الذين ساهموا بشكل كبير في صناعة التاريخ الحديث للدولة العمانية، وحقق العديد من الإنجازات الخالدة في الذاكرة العمانية والعربية. ونحن اليوم نسلط الضوء على هذه الذكرى المئوية منوهين إلى أهمية التعاطي الثقافي والإعلامي المحلي مع هذه المناسبة وعدم إغفالها، ومحاولة العودة إلى روزنامة التاريخ العماني وتفعيل مناسباته المهمة، خصوصا أن مثل هذه المناسبات لا تتكرر كثيرا وهي ليست بعيدة عن التاريخ المعاصر. وبلا شك أن مختلف الدول والشعوب تولي مثل هذه المناسبات أهمية بالغة، وتنتظر مرور هذه الذكريات لتسجل حضورا ثقافيا وإعلاميا مكثفا فيها. ونحن هنا اليوم نذكر الثقافة والإعلام في السلطنة بأن هناك أعلاما، وهناك مناسبات تمر على الوطن تستحق الانتباه وعدم التغافل عنها، وهذه مسؤولية المؤسسات الثقافية والإعلامية في الوطن، وهو ما يدعو إلى تكثيف الإضاءات الإعلامية وإبراز الاحتفاليات المناسبة لهذه الذكريات التي تمثل جزءا من التاريخ العماني العريق، ويفتخر بها الوطن والمواطن.
ويكفي هذا الوطن فخرا أن تُعرف عمان منذ قيام الحضارات العربية القديمة كحضارات ما بين النهرين (السومرية والبابلية) والحضارة المصرية القديمة وحضارات بلاد الشام، وعرفت عمان ككيان سياسي منذ ما قبل الإسلام، وذاكرة التاريخ تسطّر لنا أحداثا عظيمة وقعت على أرض عمان ساهم فيها قادة عظام ما زالت المصادر المحلية والخارجية تتحدث عنهم وعن منجزاتهم .
للأسف الشديد أن التاريخ العماني يشكل غيابا نسبيا عن الساحة الإعلامية العربية، وربما يعود ذلك إلى غياب إعلامنا العماني عن تسليط الأضواء المكثفة على هذا التاريخ .
عندما تفتقد روزنامة التاريخ العماني وتغيب الذاكرة الوطنية عن الإعلام العماني، فهذا يعني أن هناك حلقة مفقودة في الحالة الثقافية والإعلامية المحلية، فذاكرة التاريخ العماني زاخرة بالأعلام والمناسبات المهمة التي تتطلب قراءتها قراءة مستفيضة وإبرازها بشكل متميز تعبر عن اعتزازنا بهذا التاريخ الخالد. وليس من المبالغة في شيء إذا ما احتفل الوسط الثقافي العماني بمناسبات وذكريات سطَّرها أولئك الأعلام، فالتاريخ العماني مليء بالأعلام والقادة العظام قبل دولة اليعاربة؛ أي منذ ما قبل الإسلام وحتى اليوم وكذلك من أئمة اليعاربة الإمام ناصر بن مرشد وسلطان بن سيف وبلعرب بن سلطان وسيف بن سلطان كانت لهم أعمال جليلة في توحيد البلاد وطرد الغزاة والمحتلين، ومن الأسرة البوسعيدية العريقة الإمام أحمد بن سعيد مؤسس الدولة البوسعيدية الذي قاد البلاد في فترة حرجة واستطاع توحيد البلاد وطرد الفرس. كما يذكر التاريخ السلطان سعيد بن سلطان الذي بلغت عمان في عهده أوج امبراطوريتها وقد حقق سلاطين عمان إنجازات عديدة خلدها التاريخ، وسوف يذكر التاريخ حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ طيَّب الله ثراه ـ بكثير من الإجلال والتقدير؛ فهو باني نهضة عمان الحديثة وقائد الدولة العصرية الذي تحقق في عهده الأمن والاستقرار والنماء، ويكمل مشوار عمان المرصع بالجواهر والدرر حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ فكل هؤلاء الأعلام تظل إنجازاتهم خالدة، وتتطلب من الوطن الوقوف عليها والاحتفاء بها عندما تدق ساعة الذاكرة.
وعودا على بدء نتحدث عن بعض الأعمال التي قام بها الإمام سيف بن سلطان اليعربي الملقب بـ(قيد الأرض) الذي يعد من أشهر الأئمة اليعاربة، وهو القائد العماني الذي استطاع إجلاء البرتغاليين نهائيا عن المنطقة وملاحقتهم في شرق إفريقيا والمحيط الهندي، وفي عهده برز الأسطول العماني بشكل لافت؛ فكانت الأساطيل الغربية تهابه كما يذكر المؤلف محمود شاكر في موسوعة تاريخ الخليج العربي، وأضاف أن عمان بلغت أوج قوتها في عهد الإمام سيف بن سلطان اليعربي (1681-1711م) واهتم اهتماما كبيرا بالأسطول حتى صار أقوى أسطول في المنطقة. كما وصف بعض الرحالة الأوروبيين عمان وأسطولها في تلك الفترة، منهم الكابتن شارلز لوكر الذي زار مسقط عام 1706م ووصف أسطول الإمام بقوله "إنه يتألف من أربع عشرة سفينة حربية وعشرين سفينة تجارية، وإحدى السفن الحربية تحمل 70 مدفعا ولا توجد سفينة تحمل أقل من 20 مدفعا". كما يضيف مؤلف الكتاب أن الإمام حذر الدول الأوروبية من مساعدة الفرس ضد العرب وبأن مصيرهم سيكون نفس مصير البرتغاليين. وهذه ملامح قليلة من تاريخ عمان في عهد الإمام سيف بن سلطان اليعربي كما يذكر المؤلف. واستطاع في ظرف قصير مد نفوذه إلى مناطق شاسعة في شرق إفريقيا، وهو ما أسس لتوسع وانفتاح عماني عربي لاحقا في القارة الإفريقية وصولا إلى القارة الهندية، كما ساهم الإمام سيف بن سلطان في تطوير نظام الري، ويقال إنه غرس في عمان ثلاثين ألف نخلة وستة آلاف من النارجيل، وغرس أشجارا مثل الزعفران والبن، ونظم الإمام بعض المسائل الإدارية في شؤون الدولة، وبالتالي فهو يُعد من أقوى الأئمة اليعاربة نفوذا وسلطانا. وبلا شك هناك العديد من المصادر التاريخية تستطرد في سيرته، وبالفعل تشعر بالفخر عندما تقرأ في ذلك التاريخ وخصوصا من خلال المصادر الخارجية، وتشعر بالفخر أن هذا الوطن يستند إلى ذاكرة تاريخية عميقة، هذه الذاكرة تستحق من ينبش فيها ويحتفي بها في مثل هذه المناسبات المهمة التي لا تتكرر كثيرا، وإن كان من الواجب الاحتفاء بكل مناسبة في التاريخ العماني في توقيتها فهو يعبِّر عن الصورة الثقافية لهذا الوطن، ومن هنا فالدعوة صريحة لمختلف المؤسسات الثقافية والإعلامية العمانية لإيلاء هذه المناسبة حقها من الاحتفاء .