نجوى عبداللطيف جناحي:
يُعد العمل الخيري من الأنشطة الإنسانية المهمة التي تركز على خدمة المجتمع ومساعدة الناس، حيث يتطوع البعض لتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين، ويختلف مفهوم العمل الخيري من مجتمع لآخر بحسب خصائصه وظروفه، فبعض المجتمعات تعرف العمل الخيري بأنه "وسيلة لنقل التبرعات من المقتدرين إلى المحتاجين وفق أسس معينة". والبعض يعرفه على أنه "التطوع لتطوير قدرات وإمكانات الفقراء وتدريبهم ليتمكنوا من الانتقال من العوز والحاجة إلى الاستغناء". ومهما اختلفت هذه التعريفات، لكنها تتفق على أن العمل الخيري هو تقديم العون للفقراء والمحتاجين تطوعا لتحسين أوضاعهم المعيشية بأية طريقة كانت. لكنني أرى أن العمل الخيري يجب أن يعيد النظر في منهجيات عمله، فعليه ربط النشاط الخيري بعلاج المشاكل البيئية، وذلك في سبيل علاج مشاكل الفقر والجوع والوقاية منهما.
فقد أكدت الدراسات البيئية أن المخاطر البيئية قد ازدادت في السنوات الأخيرة نتيجة زيادة التلوث الصادر من المصانع، مما تسبب في إصابة نظام حفظ الحياة بالعديد من الأضرار، وزيادة الآثار السلبية على النظام البيئي، وهذه المشاكل البيئية تنعكس سلبا على الأمن الغذائي، حيث تسبب الضرر لمصادر الغذاء مما يؤدي إلى انتشار الجوع والفقر في المجتمعات التي تضررت بيئاتها بالتلوث، ومن المشاكل البيئية مشكلة تلوث المياه الصالحة للشرب والري، ومشكلة تملح التربية، والتصحر، مما يؤدي إلى الضرر بالثروة الزراعية والحيوانية، كما أن تلوث مياه البحر يؤدي إلى تدمير البيئة البحرية فيقضي التلوث على الحياة البحرية، وتنفق الأسماك أو تهاجر إلى بيئات أخرى أفضل، مما يوقع الضرر بالثروة السمكية، أي أن التلوث يسبب الضرر بمصادر الغذاء وهي الثروة الزراعية والحيوانية والسمكية، فينقلب حال المجتمعات التي تلوثت بيئاتها وأضرت بمصادر الغذاء لديها، من الغنى إلى الفقر والجوع، وبالتالي فإن العمل الخيري الموجه لهذه المجتمعات يجب ألا يكتفي بنقل التبرعات إليها وتوفير المواد الغذائية، بل عليه العمل على علاج المشاكل البيئية، وإيجاد الحلول لإعادة تنشيط وتوفير الثروات الغذائية بأنواعها كالزراعية، والمائية والسمكية. فكلنا يعرف المثل القائل (لا تطعمني سمكا ولكن علمني كيف أصطاد).
لذا نجد الكثير من المؤسسات والجمعيات الخيرية تتجه للإسهام في دعم الأنشطة التي تعالج المشاكل البيئية في مثل هذه المناطق، وهي طريقة مجدية، وقد استوقفتني تجارب مميزة في العمل الخيري البيئي أذكر منها حل مشاكل تلوث المياه بطرق مختلفة، كإصلاح وترميم آبار المياه حيث تجد في بعض المجتمعات الزراعية الكثير من الآبار المهجورة والملوثة والتي طمرتها الصخور والأتربة، فيعمل المتطوعون على ترميم هذه الآبار من خلال تنظيفها وإخراج المياه الراكدة منها، وتوسعتها وتعميقها ومراقبة جودة المياه فيها، أو عن طريق إنشاء أنظمة نقل المياه من المناطق القريبة سواء عن طريق الأنابيب أو الصهاريج، أو إقامة السدود، وتوفير أجهزة ترشيح المياه ومعالجتها وغيرها من التقنيات، فبذلك يتم حل مشكلة توفير المياه لشرب الإنسان والحيوان، ولري المزروعات فيتوفر الماء الذي هو سبب في توفير الغذاء، حيث تنتعش الزراعة ويتم الحفاظ على الثروة الحيوانية، وهما مصدران أساسيان لغذاء الإنسان، وبذلك يكون الحفاظ على الأمن الغذائي.
ومن المشاكل البيئية التي تسبب الفقر في بعض المجتمعات مشكلة تملح التربة والتي تضر بالمزروعات، لذا تقوم الجمعيات الخيرية بتدابير متنوعة لعلاج تملح التربة مثل توفير الجبس وكبريتات الكالسيوم لتقليل الصوديوم في التربة، أو توفير شتلات واستزراع أشجار تنمو في التربة المالحة، أو تركيب مجرى للمياه لغسل التربة وغيرها من الطرق.
ومن المشاكل البيئية تلوث مياه البحار مما يؤدي إلى موت الكائنات الحية البحرية، حيث تقوم الجمعيات الخيرية بإقامة مشاريع لتنظيف الشواطئ وإزالة النفايات في البحر وإعادة تدويرها، أو أن يقوموا بزراعة الأشجار بالقرب من الجداول، ومعالجة مصبات مياه الأنهار الملوثة في البحار أو غيرها من الطرق، فهذه الجهود الخيرية من شأنها تخفف من مشكلة التلوث في البحر، وبالتالي تحافظ على الكائنات الحية البحرية والتي تشكل مصدرا للغذاء في تلك المجتمعات.
ونخلص من ذلك إلى أن العمل الخيري يجب ألا يكتفي بنقل التبرعات للمحتاجين، بل عليه أن يتجه لعلاج المشاكل البيئية التي تضر بمصادر الغذاء للناس، ومن هنا لا بد من إيجاد قنوات تعاون بين ثلاث جهات أساسية لها دور في الحماية البيئية وهي: الجمعيات والمؤسسات الخيرية، والداعمون والمتبرعون، والمؤسسات البيئية المتخصصة والتي تعنى بعلاج المشاكل البيئية وحمايتها، فلا بد من عقد شراكات بين تلك الجهات الثلاث بحيث يكون دورها دورا تكامليا. فالناشطون في العمل الخيري غالبا ما يفتقرون للخبرات العلمية العملية المتخصصة لعلاج المشاكل البيئية بشكل صحيح، والمؤسسات القائمة على علاج المشاكل البيئية تحتاج لتمويل، كما تحتاج للمتطوعين لمساعدتها في تحقيق أهدافها البيئية المستدامة... ودمتم أبناء قومي سالمين.


كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
[email protected] تويتر: @Najwa.janahi