نجوى عبداللطيف جناحي:
صدق أو لا تصدق!!! من غرائب بعض الشعوب العتيقة القديمة أنها ترسل أطفالها الرضع الذين لا يتجاوز أعمارهم عدة شهور إلى مدرسة داخلية، فيفصل الطفل عن حضن أمه ووالده، ويبعد عن أسرته، ليقيم في مدرسة داخلية بعيدة عن أهله، وتقوم على تربية هذا الرضيع مربية محددة تتولى تربيته وتهذيبه مع مجموعة من أترابه الرضع، وتهتم هذه المدرسة بتنشئة الرضع على آداب راقية، سواء في التحدث أو التعامل مع الناس خصوصا الكبار في السن أو المقام كإلقاء التحية والتعبير عن الشكر للآخرين، واحترام الكبير وتقديره وغيرها من الآداب، كما يربى الطفل على الأخلاقيات الراقية والقيم والمبادئ، ويدرب الطفل على طريقة التعبير عن رأيه ومهارات الحوار والتحدث، كما تدربه على الرياضة لينشأ قوي الجسد، وتركز هذه المدرسة على إكساب الطفل اللغة السليمة. وتعتمد فلسفة هذه المدرسة على التعليم المبكر، فالطفل في السنوات الأولى من عمره، يكتسب من بيئته السلوكيات لتكون جزءا من تكوينه، ويتعذر عليه التخلي عن هذه السلوكيات والآداب إذا ما ترك هذه المدرسة وعاد لأسرته الحقيقية، فلا يتغير سلوكه؛ إذ ينشأ على التمسك بما اكتسبه من هذه المدرسة.
والغريب أنه ليس للأم أو لأي فرد من أفراد الأسرة الحق في رؤية طفله أو زيارته، ولا يسمح للطفل زيارة أسرته إلا في نهاية مدة الرعاية والتهيئة؛ أي بعد أن يصبح عمر الطفل ثلاث سنوات، والبعض يمدد مدة إقامة الطفل في المدرسة إلى أن يصبح أعمار أطفالهم خمس سنوات، وبذلك يعود الطفل إلى أسرته وقد تربى على الآداب الرقية والسلوكيات السليمة، والأخلاقيات الحميدة، كما أنه يتقن اللغة بشكل صحيح، ويكتسب الطلاقة في التحدث والتعبير عن نفسه، ويكتسب أدب الحديث واحترام الكبار وغيرها من هذه الأخلاقيات، وهم يرون أن الطفل إذا ما تربى في هذه المرحلة العمرية على أخلاقيات وسلوكيات معينة يتمسك بها حتى لو عاد لأسرته أو انخرط في بيئات مختلفة. الواقع أن غالبية الأطفال الرضع الذين يتربون في هذه المدارس يكونون أبناء الأسر الثرية والمقتدرة ماديا، والذين يعتبرون من علية القوم، فهم قادرون على دفع تكاليف تلك المدارس الباهظة الثمن.
وعلى الرغم من غرابة هذه الظاهرة الاجتماعية لدى تلك الشعوب، إلا أن لهذا التصرف له أساس من الصحة، فالجميع يتفق على مدى أثر تربية الطفل في السنوات الخمس الأولى من عمره في شخصيته، فقد أثبتت الدراسات التربوية الحديثة أن أهم مرحلة عمرية في تربية الطفل وتنشئته هي مرحلة الطفولة المبكرة أي من سن يوم واحد إلى خمس سنوات، فما يكتسبه الطفل في هذه المرحلة العمرية، سواء من آداب وأخلاقيات وقيم ولغات، تتأصل لدى الطفل ويتمسك بها مدى الحياة، وقد كتب المصلح التربوي الألماني فروبل Froebel في القرن التاسع عشر: (إن الحياة الروحية للإنسان تتشكل إلى حد كبير بتجارب الطفولة المبكرة. فعلاقة الطفل المستقبلية مع أولياء الأمور، ومع الله ومع المجتمع ككل وحتى مع الطبيعة تعتمد بصورة رئيسية على مدى تطور نموه خلال تلك المرحلة).
ولعل السؤال الذي يراود عقلك عزيزي القارئ هو: من هم هؤلاء الشعوب الذين يُبعدون أطفالهم الرضع عن أسرتهم في سبيل تربيتهم تربية راقية، إنهم الشعوب العربية القديمة، وتحديدا قبائل شبه الجزيرة العربية، فقد عُرف العرب أنهم يحرصون على تنشئة وتربية أطفالهم على الأخلاق الحميدة وعلى الآداب، وعلى القوة الجسدية وعلى فصاحة اللسان، فيرسلونهم إلى قبائل تعيش في الصحراء عرف عنها بقدرتها على تربية الأطفال تربية صحيحة، ليتربوا هؤلاء الأطفال وسط أسر تلك القبائل فيندمجوا في هذه الأسرة، ثم يعيدوا الطفل لأبويه وقد تنشَّأ على خصال العرب الأصيلة وقد أتقن لسانه اللغة العربية الفصيحة. يا لها من ثقافة راقية، فهم يهتمون بالتربية أيما اهتمام وهم بخبرتهم يدركون أهمية التربية المبكرة للطفل، وهم يقدمون أهمية التربية على أهمية التعليم، فهم من قالوا العلم في الصغر كالنقش في الحجر، بل ترى أن العرب المسلمين حرصوا على التمسك بهذه الممارسة الإيجابية مع شيء من التطوير، فكان الخلفاء والأمراء والنبلاء والتجار يعينون لأبنائهم مؤدبين، فلا يقتصر دور المؤدب على التعليم، بل إن دوره يتركز على التربية والتأديب، وتجد أنهم يستقطبون العلماء والمفكرين ليقوموا بدور المؤدبين لأبنائهم. تلك الممارسة الاجتماعية تستحق وقوف التربويين عندها ودراستها والاقتباس منها والاستفادة من تلك التجارب والخبرات، وتكيفها بحيث تتناسب مع واقعنا، فالحضارة العربية في مكنونها جواهر من الخبرات التي يجب استخراجها والاستفادة منها، وعدم إلقائها في جب النسيان لتأتي الأجيال اللاحقة تبحث عن نقطة البداية من جديد. فكل ما علينا، أن نعتز بثقافتنا العربية الأصيلة فنكمل ما بدأه أجدادنا... ودمتم يا أبناء العرب سالمين.

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
[email protected]
تويتر: @Najwa.janahi