محمود عدلي الشريف:
دار بنا فلك الحديث في الحلقة الماضية حولمدارات شموس معاني شهر صفر وتسميته، ذلكم الشهر الذي هو الثاني ترتيبا في العام الهجري، والجدير بالذكر أنه هو الشهر الثاني في الجاهلية وكذلك في الإسلام، وقد اختلفت صفات هذا الشهر بين الشارة والنذارة، وبين التشاؤم والتفاؤل وبين الشر والخير وبين الشدة والرخاء، وما هذا الاختلاف إلا حسب معاني اسمه، وما يدل على أن اسم هذا الشهر ليس له علاقة بأحداث ولا بغيرها، وأن ما حدث فيه عبر التاريخ كغيره من الشهور، فلم يتميز بأحداث سيئة ولا بأخرى حسنة، وإنما هو شهر من أيام الله كسائر الشهور، وقد اخترت بعض الأحداث الحسنة التي حدثت في هذا الشهر، لتكون بشرى طيبة تهون علينا مما نحن فيه في هذه الأيام التي انتشر فيها فيروس (كوفيد ـ 19) المعروف بكرونا المستجد، والذي نسأل الله تعالى أن يرفعه ويلقي به إلى مكان سحيق، وأن يرفعه إلى غير رجعه،إخواني الكرام قولوا اللهم آمين، ثم إليكمأهم الأحداث التي كانت في شهر صفر:
1 ـ صفر في السنة الثانية: يقول ابن حبان: وجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اليهود يصومون يوم عاشوراء في أول قدومه المدينة وهو أول السنة الثانية من الهجرة، فسألهم فأخبروه أن الله نجّى موسى في ذلك اليوم وأغرق آل فرعون فصامه موسى شكرًا لله، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بصيامه وقال: أنا أولى بموسى، فصامه (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون، ثم زوّج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ابنته فاطمة عليًّا في صفر، وقال له: أعطها شيئًا، فقال: ما عندي يا رسول الله شيء، قال: فأين درعك الحطمية؟، يقول الشارح في (محيط المحيط):(الحطميات دروع تنسب إلى حطمة بن محارب كان يعمل الدروع ـ فبعث إليها بدرعه، وقد روي في تزويجها أخبار فيها طول تؤدي إلى مسلك القصّاص فتنكبت عن ذكرها لعلمي بعدم صحتها من جهة النقل) (السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان 1/152).
2 ـ في صفر من السنة الثالثة: ذكر صاحب كتاب (أسد الغابة، ط: الفكر 2/8) عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن رافع بْن خديج، عَنْ أبيه، قَالَ: خرجنا مَعَ النَّبِيّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم) في غزوة أنمار، فلما سمعت به الأعراب لحقت بذرى الجبال، وانتهى رَسُول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى ذي أمر ـ ذو أمر: موضع من ديار غطفان، وكان ذلك في صفر من السنة الثالثة، (جوامع السيرة: 153) فعسكر به، وذهب لحاجته فأصابه مطر، قبل ثوبيه فأجفهما عَلَى شجرة، فقالت غطفان لدعثور بْن الحارث ـ وقيل غورث بْن الحارث ـ وكان سيدها وكان شجاعًا: انفرد مُحَمَّد عَنْ أصحابه، وأنت لا تجده أخلى منه الساعة، فاخذ سيفًا صارمًا، ثم انحدر، ورسول اللَّه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مضطجع ينتظر جفوف ثوبيه، فلم يشعر إلا بدعثور بْن الحارث واقفًا عَلَى رأسه بالسيف، وهو يقول: من يمنعك مني يا مُحَمَّد؟ فقال رَسُول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): اللَّه عز وجل، ودفع جبريل (عليه السلام) في صدره فوقع السيف من يده، فأخذ رَسُول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) السيف، ثم قام عَلَى رأسه فقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أَحَدٍ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): قم فاذهب لشأنك، فلما ولي قال: أنت خير مني، فقال رَسُول اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أنا أحق بذلك منك، ثم رجع إِلَى قومه فقالوا: والله ما رأينا مثل ما صنعت، وقفت عَلَى رأسه بالسيف! فقال: والله لا أكثر عليه جمعًا، وذكر القصة، ثم أسلم دعثور بعد، أخرجه أَبُو موسى وقال: كذا أورده).
3 ـ في صفر من السنة الرابعة للهجرة: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍـ رضي الله عنه ـ أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو لِحْيَانَ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ، يَحْطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِئْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْـ وكان ذلك في صفر من السنة الرابعة ـ فَقَنَتَ (عليه الصلاة والسلام) شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ..الحديث)، وهذا الحديث أخرجه البخاري في الطب أيضًا والمغازي، وأخرجه مسلم في الحدود والنسائي في الطهارة والحدود والطب والمحاربة،(شرح القسطلاني المسمىإرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 5/ 177 حديث رقم: 3064)، والقصة كما جاء في (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 22/ 230)بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عشرة رهط عينا أي جواسيس إلى مكة ليأتوه بأخبار قريش، وقيل: إن السبب في بعثهم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما بعث إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ثم اللحياني من قتله، لأنه كان يجمع الجموع لحربه، مشت بنو لحيان من هذيل إلى عضل والقارة فجعلوا لهم إبلًا على أن يكلموا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليخرج إليهم نفراً من أصحابه فقدم سبعة نفر منهم مقرين بالإسلام، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) معهم هؤلاء الرهط وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري،حتى إذا كانوا على الرجيع ـ ماء لهذيل بناحية الحجازـ غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، قال الزرقاني: ويجمع بين الروايتين بأنه لما أراد بعثهم عيونًا وافق مجيء النفر من عضل والقارة في طلب من يفقههم في الدين فبعثهم في الأمرين ..أهـ.
4 ـ فِي صفر سنة ثَمَان من الْهِجْرَة: جاء في كتاب (المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي 2/ 63)عَن أبي بكر الْخَطِيب بِإِسْنَاد يرفعهُ: أَن رَسُول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَالَ: يقدم عَلَيْكُم اللَّيْلَة رجل حَكِيم، فَقدم عَمْرو بن العَاصِ مُهَاجرُا، قَالَعَمْرو فِي قدومه مَعَ خَالِد وَعُثْمَان بن طَلْحَة قَالَ: وَكنت أسن مِنْهُمَا، فَأَرَدْت أَن أكيدهما فقدمتهما قبلي لِلْبيعَةِ فبايعا، واشترطا أَن يغْفر مَا تقدم من ذنبهما، فأضمرت فِي نَفسِي أَن أبايع على مَا تقدم وَمَا تَأَخّر فَلَمَّا بَايَعت ذكرت مَا تقدم وأنسيت أَن أَقُول وَمَا تَأَخّر، فَقَالَ رَسُول الله (صلى الله عَلَيْهِ وَسلم):(يَا عَمْرو بَايع فَإِن الْإِسْلَام يجب) وَفِي رِوَايَة:(يحت مَا كَانَ قبله وَإِن الْهِجْرَة تجب مَا كَانَ قبلهَا) قَالَ: فَبَايَعته ثمَّ انصرفت وَكَانَ ذَلِك فِي صفر سنة ثَمَان من الْهِجْرَة قبل الْفَتْح بِسِتَّة أشهر، وَتُوفِّي عَمْرو ـ رَحمَه الله ـ يَوْم الْفطر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وعمره تسعون سنة وَدفن بالمقطم وَصلى عَلَيْهِ ابْنه عبد اللهوَكَانَ من الدهاة الْمُتَقَدِّمين فِي الرَّأْي وَالْمَكْر، وَكَانَ عمر بن الْخطاب ـ رَضِي الله عَنهُ ـ إِذا استضعف رجلًا فِي عقله ورأيه ..اه.

*[email protected]