محمود عدلي الشريف:يمر الانسان في حياته بمواقف حرجة، قد تأخذ بتلابيب قلبه من شدة وطئتها، وفي الواقع قد يرتجف القلب عند السماع بها وحكايتها، فما بالكم بمن عاشها ووقع فيها، ولكن هناك رابط قوي يحكم الخناق عليها، ويجعل تأثير تلك الموقف الحرجة إيجابيًا وليس سلبيًا، بل يجعله نافعًا وليس ضارًا، فيا ترى! ما هو ذلك الرابط القوي الذي يخفف تأثير المواقف الحرجة الشديد؟ إنه الإيمان بالله تعالى والثقة به، والطمع في رضاه سبحانه، واليقين بنصره الذي يأتي في وقته وأوانه من غير بطء ولا تأخير، وهذا ما نجده ظاهرًا وواضحًا في حياة الأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام) وضوح الشمس في ضحاها، ولو تأملنا حياة الأنبياء والرسل لوجدنا ذلك في حياتهم بشكل عام، فالأنبياء والرسل (عليهم الصلاة والسلام) لهم رسالة خلقوا من أجلها، ودعوة أفنوا أعمارهم في سبيلها ، وأهداف بذلوا كل غال وثمين في تحقيقها.هذا الصبر استحضار نعم الله التي لا تُعَدّ ولا تحصى، فتهون على المصاب مصيبته، ويقل وقعها على نفسه، ويكون مثله مثل من يعطي ألف دينار ويفقد فلسًا واحدًا، ومما يعين أيضًا على الصبر على البلاء تذكر الجزاء العظيم للصابرين، نعم الصبر بالله ولله، صبر بأنواعه إنما هو بالله، بمعنى: إنَّ المسلم يؤمن بأنَّ صبره إنما يكون بعون الله، فالله هو المصبِّر له، وصبر المسلم لله، أي: إنَّ المسلم يصبر طاعةً ومرضاة له، فالباعث على صبره محبة الله وطلب مرضاته، وهذا النوع من الصبر وهو يشمل الصبر على الطاعة وعن المعصية أكمل من الصبر على الابتلاء لأنَّ في الأول اختيارًا وإيثارًا ومحبة، أمَّا الثاني فهو صبر ضرورة ولا اختيار للصابر، إذ بدونه لا يستطيع بلوغ ما يريد لأنَّ المراد لا ينال غالبًا إلّا بتحمُّل المكاره وحبس النفس عيها، وهذا مطَّرد في جميع أمور الحياة، فالطالب يحبس نفسه على المذاكرة والدرس وكفّ نفسه عمَّا تهواه من لذةٍ وراحةٍ حتى يستوعب الدروس لينجح في الامتحان، وكذلك التاجر، وكذلك أيّ صاحب غرض يريد نواله، وما يقال عن الأفراد يقال عن الأمم، فالأمة التي تريد بلوغ ما تصبوا إليه تحتاج إلى صبر عظيم وتحمّل للمشاق، والانتصار في الحروب يكون بجانب الذي يملك أسبابه، ومن أعظم أسبابه الصبر.فالصبر إذَن ضروري لكل إنسان في الحياة، وإلّا صار هشًّا سريع الانكسار أمام الأحداث، وما أكثرها في الحياة، فإنها مملوءة بالمنغَّصَات والمشقَّات والصعاب والمؤلفات، فإذا لم يقابلها بشيء من الصبر انكسر وتفتَّتَ وتمزَّقت شخصيته في دروب الحياة، فتسحقه الأقدام وتلقيه بعيدًا عن طريق المارِّين، فإذا أدَّت هذه الوسائل إلى أذى يصيب الداعي، فعليه أن يتقلبه بالصبر لا بالجزع، وبالثبات لا بالفرار، انظر (أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان ص: 352)، وهذا ما يظهر لنا جليًا في جميع مراحل حياتهم، والتي لا تخلو من مواقف شديدة للغاية وحرجة للنهاية، وهذا ما تجلى في حياة رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) كلها، وفي هجرته المباركة من مكة إلى المدينة على وجه الخصوص، فالمتأمل في الهجرة النبوية المباركة يجد أنها كلها كمواقف حرجة، ولكن تتجلى فيها بعض المواقف الأشد حرجًا، ومن تلك المواقف على سبيل التذكرة والمدارسة، فما أجمل أن نتدارس سيرة رسولنا الأعظم ونبينا الأكرم، ونحن نستقبل عامًا جديدًا من أعوام السنة الهجرية، والذي نسأل الله تعالى أن يكون عامًا سعيدًا على أمة الإسلام، بالأمن والأمان والسلم والسلام، وأن يرفع عنها البلاء والمواقف الحرجة، وأن ينصرها على أعدائها، وما داعني أن أتناول هذا الموضوع ما تمر به الأمة من مواقف حرجة في هذا الزمان، وخاصة حائجة (كوفيد ـ 19) التي اجتاحت العالم، وحتى يكون لنا مما مر به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدد والعتد، فنتقوى بما قواه ربه، فانتصر وأزر، ومن تأمل سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وجد أنه يعتني بتعزيز روح التفاؤل لدى أصحابه في المواقف الحرجة، فحين أتاه خباب ـ رضي الله عنه ـ يشتكي له ما لقي من المشركين قال له:(وَاللَّهِ! لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللَّهَ، أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري 6943)، انظر (مجلة البيان تصدر عن المنتدى الإسلامي العدد238/187/ 26) وأول موقف من تلك المواقف الحرجة في أحدث الهجرة المباركة: أولًا علي بن أبي طالب على فراش الموت:(فعندما اتفق الطغاة على تحديد ليلة ينكسون فيها سيوفهم في ذلك الجسد الطاهر ثمانية سيوف وربما أكثر، تتلمض تريد أن تستحم بدمائه (صلى الله عليه وسلم) وتشب، أرسل الجبار سبحانه وحيًا يحمله جبريل، فأتى جبريل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كان العتمة من الليل اجتمعوا على بابه، فترصدوه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي، واتشح ببردي الحضرمي الأخضر، فنم فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينام في برده ذلك إذا نام، وامتثل الفارس الشاب، وكان على استعداد ليتشح بالدماء، فقد علمه الإسلام كيف يبذل روحه لله وحده، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فانطلق هو وأبو بكر فدخلا الغار، وعلي يُرْمَى بالحجارة كما كان يُرْمَى نبي الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يتضور، قد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشفوا رأسه، فقالوا: إنك للئيم، كان صاحبك نرميه فلا يتضور، وأنت تتضور، وقد استنكرنا ذلك، نعم! إنه علي ـ رضي الله عنه ـ وهو ابن العشرين ونيف، ينام في فراش رسول الله، ويعلم أن السيوف قد تنتاشه وتحتوشه في كل لحظة، ويقدم نفسه فداء لرسول الله، ويبقى في موطن الخطر ثلاثة أيام متوليات يوزع الأمانات لأهلها، ويمضي مهاجرا وحيدا إلى الله ورسوله وقد دميت قدماه من أهوال الطريق) انظر (فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان ص:347).فتخيلوا معي ـ قرائي الكرام ـ هذه الحالة وتخيلوا أنفسكم في مكان علي، وهو يوقن أنه مقتول لا محالة، فما بالكم إذا لم يتبينوا من النائم، وقتلوه وهو تحت الفراش، تخيلوا شاب يبيت طيلة الليل وهو يتوقع أن يقتل في أي لحظة، فهل هناك أشد من هذا الموقف الحرج!... وللحديث بقية.*[email protected]