نجوى عبداللطيف جناحي:
آآآآه لو تدري، كم أحتاج هذه الكلمة، كم حلمت أن أسمعها منك، آآآآآه لو تدري كم عانيت لأنك تبخل بها عليَّ، هي كلمة بسيطة لو خرجت من بين شفتيك مرة واحدة لارتويت بها طوال حياتي، إنها كلمة: (ولدي حبيبي)، أعلم أن كبرياءك سيلجم هذه الكلمة، فالأبوة بالنسبة لك حزم وجدية، وصرامة، وكأنك تخشى أن تفسدني بحنانك. وكأنك تخشى أن تفقد هيبتك أمامي وأمام إخوتي بعطفك، فلم تضرب بيننا المسافات وتحجب رحمتك عني؟ فأنا ابنك من صلبك أنا امتداد لك، أحمل اسمك، وأنقله للجيل القادم، أبي أتعلم أنني أحسد أصدقاءك، أحسد أبناء عمي وأقاربي الصغار، فأنت بينهم رجل لبق لطيف وفي كثير من الأحيان حنون رحيم بهم. وأنت بيننا أنا وإخوتي رجل حازم صارم قاسٍ.
أبي!! من قال لك إن كلمة حب أسمعها منك ستفسدني؟ من قال لك إن مسحة يدك الحنونة ستضعفني؟ من قال لك إن التربية الصالحة لا تكون إلا بالشدة والقسوة؟ ومن قال لك إن حضنك الدافئ سيغير من صورتك في نظري ونظر إخوتي؟ صورة رسمتها أنت في أذهاننا، صورة لرجل قوي ذي وجه صارم، نظراته وقورة حتى في لحظات الألم، وصوته المزمجر العالي يرعد في أرجاء البيت، فنحتمي منه أنا وإخوتي في غرفنا، نحتمي من كلمات حساب وعتاب وعقاب وتوبيخ عن كل خطأ سترصده في البيت قد نكون ارتكبنا هذا الخطأ بقصد أو غير قصد، وكم أذهلْتنا بدقة رصدك لأخطائنا حتى نشعر بأنك رقيب عتيد. لكن قدرتك على الرصد تعجز عن رصد إيجابياتنا، كم علقت على الجدران لوحة أبدعتها بقلمي، وكم علقت أوراق اختبارات كتب المعلم عليها كلمات إطراء، لكن عينك الراصدة الدقيقة تخطئهم دائما. فينكسر قلبي. كم اجتهدت لأرضيك فأنتظر منك كلمة إطراء فتحرمني منها، فينكسر قلبي. كل ذلك وضع حولك سياجا حصينا؛ ذلك السياج جعلني أشتاقك رغم قربك مني، أحتاجك وأنت أمام ناظري، أكاد أشعر باليتم وأنا بين يديك، نعم يا أبي!!! أنا ابنك اليتيم لأنني أفتقد مساحة كبيرة من أبوتك، أنا ابنك اليتيم لأنك بالغت في الحزم حتى نسيت الرحمة والحنان، أنا اليتيم لأنك ضربت حولك سياجا منيعا من الجدية والحزم، فأنا لا أجرؤ أن أبوح لك بهمومي، فسياجك سيمنعني، أخشى أن أعترف لك بأخطائي لترشدني للطريق الصحيح، فسياجك لا يخترق، أخشى أن أطلب النصح منك وأن تنتزعني من حيرتي، فسياجك يضرب بيننا المسافات حتى صرت أبحث عن أب أستشيره وأفضي له عما بداخلي.
حنانيك يا أبي!! أنا لست ابنا جاحدا، أعلم أنك جدت لي بالعطاء، عطاء غزير لو رصدته في فاتورة لعجزت عن سدادها طيلة حياتي: كسوتني، أطعمتني، أغدقت علي المال، أسكنتني قصرا فاخرا، لم تتأخر علي قط بدواء لأي داء، كم ذدت عني عندما أتعرض لأي مساس من أي شخص حتى لو كان هذا الشخص أخاك (عمي)... وكم فعلت وفعلت وفعلت الكثير لأجلي، فكلي امتنان لك ما بقيت، إلا أن كل هذا العطاء لا يسد رمقي، فما زلت أتعطش لحنانك ورحمتك ولطفك، وسعة صدرك، أحتاج أذنك تسمعني حتى أكمل جملتي بلا خوف. لكنني اليوم قررت أن أخاطبك بهذه الكلمات الصريحة لأنني أعلم أن أيام العمر تنطوي سريعا، قررت أن أنتهك سياجك، وأن أنتفض على اليتم، فما الحياة إلا دقائق وثوانٍ، قررت أن أقترب منك وسأنتزع منك أهم حقوقي التي أتعطش لها، مجرد كلمة منك!!! سأشتريها ولو كان الثمن عمري إنها كلمة (ولدي حبيبي).

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية متخصصة في التطوع والوقف الخيري
[email protected]
@Najwa.janahi