د. يوسف بن علي الملَّا طبيب:كلنا يعي أن قضاء يوم في حياة الطفل العادي يعني فصولًا دراسية فعلية وألعابا في المدرسة وحفلات ورحلات طلابية. نرى أن الطفل فاته المشي في المدرسة، وتناول الغداء مع زملائه، وأتقن تسديدة كرة القدم وتسجيل الهدف. وهنا ندرك ونحن خلال فترة جائحة كورونا أن قضاء الطفل مع زملائه الآخرين هو جزء أساسي من نموه، فالعلاقات مع أقرانهم هي الطريقة التي يتعلم بها الأطفال مثلا التعاون والثقة، بالإضافة إلى تلقي الدعم من والديهم.بطبيعة الحال، أن تكون منعزلًا في المنزل لأشهر نتيجة الجائحة هو احتمال مختلف تمامًا بالنسبة لطفل يبلغ من العمر 7 أو 8 سنوات عما هو عليه بالنسبة لشخص يبلغ من العمر 18 عامًا. حتى الأطفال من نفس العمر لديهم اهتمامات واحتياجات وشخصيات مختلفة، وستكون ردود أفعالهم تجاه الحجر الصحي أو التباعد الاجتماعي الذي مرَّ عليهم مختلفًا أيضًا. وربما قد يجد بعض الأطفال الذين تعاملوا مع التنمر أو القلق الاجتماعي قبل انتشار الوباء أن التباعد الاجتماعي يعد مصدر ارتياح لهم. مقارنة بالآخرين الذين يعانون من مشاكل نفسية أو بيئة منزلية أقل سعادة هم أكثر عرضة للمعاناة من عدم ارتياد المدرسة! مع ذلك أعتقد أن الأمر يعتمد على العمر، ولكنه يعتمد بشكل أكبر على ما يحدث بالفعل للأطفال عندما يكونون في المنزل إن تخيلت معي الأمر. فالأطفال الصغار على وجه الخصوص هم مقياس ضغط الأسرة، وبالتالي معاناتهم ستكون أكثر إن كانت بيئة المنزل غير ملائمة.وربما الخبر السار هنا هو أن الأطفال، وخصوصًا الأطفال الصغار يتمتعون بالمرونة بشكل مدهش طالما أن لديهم شخصًا بالغًا داعمًا واحدًا على الأقل في حياتهم. نلاحظ جميعًا كيف أن الأطفال يحتاجون في مرحلة ما قبل المدرسة والأطفال في السنوات الابتدائية المبكرة إلى والديهم أكثر مما يحتاجون إلى أصدقائهم. هذا أمر مشجع، نظرًا لأن التفاعلات الافتراضية مع الأقران لا تعمل مع العديد من الأطفال الصغار. ولعل الأهم إدراك أن أهم شيء يحتاجه جميع الأطفال هو الشعور بالأمان. فكلما كنت أصغر سنًّا، زاد الشعور بالأمان من البالغين الذين يهتمون بك.من ناحية أخرى فإنه من غير المرجح أن يستفيد المراهقون من الأمان الذي يأتي من وجودهم مع والديهم، لأنه في سن 10 أو 11 عامًا تقريبًا، تكتسب الحياة الاجتماعية للأطفال أهمية تنموية متزايدة. لا يمكن تدريس المهارات الاجتماعية الأساسية لمرحلة العمر هذه بالقراءة مثلًا فقط، إنها مثل الرياضة إنهم بحاجة إلى التدريب المستمر. طبعًا في ظل الظروف العادية، يأتي الأطفال بهذه الممارسة من خلال التفاعل مع بعضهم البعض، حيث لديهم ميل طبيعي للتعلم ليس فقط من أقرانهم وتلك الصداقات القوية، ولكن الأمر يتعلق بـ(أنا) (في العلاقة مع الآخرين). يريد الأطفال معرفة من يثقون به، ومن يحبهم، وكيفية العثور على مكان يمكنهم التألق فيه. هذا الجانب من النمو يبدأ في مرحلة متقدمة في سنوات الدراسة المتوسطة، ولكن للأسف إنه أيضًا شيء اضطر العديد من الأطفال إلى تعليقه أثناء جائحة كورونا.ناهيك أنه حتى لو حدثت موجات أكثر من العدوى، واستمر الانفصال عن أقرانهم أو تأخير انطلاق المدارس فعليًّا، بالتأكيد قد يتأخر البعض من الأطفال قليلًا في تكوين هوياتهم، وإيجاد شغفهم، وتكوين الصداقات التي غالبًا ما تصاحبهم. وهنا إن لاحظنا في بعض الأطفال قد يتحول الشعور بالوحدة الناجم عن العزلة الاجتماعية إلى اكتئاب أو مشكلات أخرى تتعلق بالصحة النفسية، ولعل المقلق عنما يبدأ الطفل بإظهار سلوك متطرف، مثل النوم طوال الوقت أو عدمه على الإطلاق، إضافة إلى سرعة الانفعال والتغيرات في الوزن.لذلك أفضل ما يمكن أن يفعله الكبار للأطفال هو توفير بعض اليقين في حالة عدم اليقين كما نراها في هذه الجائحة. إن حاجة الأطفال إلى الروتين والشعور بأن البالغين في حياتهم يمكنهم الحفاظ على سلامتهم تنطبق أيضًا على متعة الإجازة والانفتاح الحذر. فيمكن لعائلتين صغيرتين منعزلتين من نفس البيت الالتقاء معًا، مما يسمح للأطفال والبالغين بالاختلاط والتفاعل. بمعنى آخر، إذا كان القلق يعيق الحياة اليومية لطفلك، وإذا لم يتمكن من المشاركة أو الاستمتاع بالأنشطة المناسبة لسنه ونحن في هذه المرحلة من الجائحة فاطلب المساعدة الطبية. تتبع عدد الأيام التي تحدث فيها أعراض القلق أو الاكتئاب. يمكن للتوتر أن يجعل الأعراض تظهر وتختفي على مدار أيام أو حتى أسابيع، لكن الأطفال الذين يعانون من اضطرابات القلق تظهر عليهم علامات تدوم لفترات أطول. حتى إذا لم يكن طفلك يعاني من اضطراب القلق، فقد يكون من المفيد التحدث إلى أحد المتخصصين حول كيفية التعامل مع ردود أفعالهم الشديدة للتوتر أثناء هذه الفترة.بالنهاية، على الرغم من أنك تقضي كل يوم تقريبًا مع طفلك، فلا تفترض أنك تعرف ما يشعر به. خصص وقتًا للجلوس والسؤال عن مشاعره. لا تحاول التقليل من مشاعرهم بقول أشياء مثل، (لا تخف) أو (لا داعي للقلق). بدلًا من ذلك، اعترف بمشاعرهم، وتحدث عن طرق صحية للتعامل مع هذه المشاعر.مبتكر وكاتب طبي [email protected]