- صفحة تصدرها « الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام - إيمانا منهما بأهمية تثقيف المجتمع قانونيا ومعرفة الآثار المترتبة جزائيا على الأشخاص المخالفين لمواده وتوعية المجتمع وتثقيفه حتى لايقع أفراده تحت طائلة القانون بجهل أو عدم معرفة من خلال طرح قضية ومعرفة جوانبها القانونية وعقوبتها والآثار المترتبة عليها .- حاوره : مُساعد المدعي العام ناصر بن عبدالله الريامي رئيس المكتب الفني بالادعاء العام لا أجد خير ما أستهل به الكتابة عن معلّم من معلمي هذا الوطن العزيز، من تلكم الأبيات التي ساقها إلينا أمير الشعراء شوقي لبيانِ مكانة المُعلم، حيث قال:قُم للمُعلم وفِّه التبجيلاكاد المعلم أن يكون رسولاأعلمت أشرف أو أجلَّ من الذييبني وينشئ أنفسًا وعقولاتالله هو أقل ما يمكن أن يُقال في حق من وُصِفَ بالشمعةِ التي لطالما احترقت لتنير لطلبة العلم دروبهم بالمعرفة .. ولعمري، قليل عليهم أن نقيم لهم بقلوبنا، كلّ يومٍ احتفال وتكريم؛ إلى جانب ذاك الاحتفال الذي تقيمه لهم مشكورة وزارة التربية والتعليم، بتاريخ 24 فبراير من كل عام.وعليه، ما كان لنا أن نُفوِّتَ فرصة استعراض الشخصيات العُمانية التي قدَّمت لعُماننا عصارة جهدها وعطائها، في هذه الزاوية، من دون أن نُحيي مُعلمينا الأكارم، أصحاب الفضل والإحسان فيما وصلنا إليه اليوم من رفعةٍ وتقدّمٍ وازدهار؛ ولمن لم يكن له نصيبٌ مما ذُكر؛ فحسبُه أن لمعَ وجهُه بالعلم، وتحقَّق له ما يمكن وصفه بالقبول الاجتماعي، للقول بقيام الدَّين، ووجوبِ ردُّه إلى أصحابِه .. فمهما فعلنا وقدَّمنا لهم، يبقى عطاؤنا قاصرٌ؛ ومهما أوتينا من الفصاحةِ وحُسنِ البيان؛ فلن تسعفنا عبارات الشكر والثناء للإيفاء بحقِهم في التقديرِ والاحترام، بل وبالإعتراف بفضِلهم علينا. نسأل الله ـ جلَّت قُدرته ـ أن يحفظهم من كلِّ سوءٍ ومكروه، وأن يمد الأحياء منهم بالصِّحةِ والعافيةِ والعُمرِ المديد، وأن يجزيهم عنَّا خيرَ الجزاء؛ وأن يرحم من سبقونا منهم إلى الدَّار الآخرة، ويجزيهم جنةً عرضها السّماوات والأرض، أُعِدَّت للمُتَّقين.وربي، ليس ذلك بكثيرٍ عليهم، فلقد ورد في الأثر أن الإمام أبا حنيفة النعمان ـ رحمه الله ـ كرَّم مُعلِّمَ ولده بألف درهم لأنه علّمه سورة الفاتحة؛ فكيف بمن علمنا القرآن كاملاً؛ أو من فقَّهنا في ديننا ودنيانا، وخرَّج لنا الأطباء، والقضاة، والمحامين، والمهندسين؛ أو من أرفدَ المجتمع بمن يعلمنا كل تلك العلوم.ليس بعظيمٍ عليهم ذلك، قولاً واحدًا؛ ومن هذا المنطلق، ارتفع الإسلام بمنازل المعلمين، وقدَّر جهودهم، وكرَّم سعيهم، ففازوا بمنازل الأخيار، وظفروا بالدَّرجاتِ العُلا في الدُّنيا والآخرة؛ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلَّم):(إن الله وملائكته وأهل السَّموات والأرض، حتى النملة في جُحرها، وحتى الحوت في جوف البحر، ليصلون على مُعلِّم الناس الخير؛ وقال لأبي ذر: يا أبا ذر، لأن تغدو فتعلم آيةً من كتابِ الله، خيرٌ لك من أن تصليَ مائة ركعة؛ ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم، عُمِل به أو لم يُعمَل به، خيرٌ لك من أن تصلي ألف ركعة). وسما الله سبحانه بدرجات العُلماء فقال:(شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقِسطِ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم).ومن هذا المنطلق، نجد بلدانًا تدفع للمعلم أجرًا لا تدفعه لغيرِه من أصحاب المهن الأخرى؛ في تلميحٍ إلى أن المعلمَ هو من صنع فكر كل هؤلاء؛ ويستحق بالتالي أن يوضع ضمن الفئةِ الممتازة، من حيث المرتبة السَّامقة اجتماعيًا؛ وأن يتقاضى من أعلى الأجور.فواجبٌ هو على كلّ مربٍّ أن يظهرَ قيمة المعلم أمام أولاده ويحثهم على احترامهم، وأن يردَّهم إذا ذكروه بما لا يليق بمكانته بوصفِه مُربيًا؛ وواجب على المعلِّم أيضًا أن يحافظَ على مكانتِه من أن تُمس، فيتطاول عليه التلاميذ.ويُحكى أن الخليفة هارون الرشيد، بعث ابنه إلى الأصمعيّ ليُعلِّمه العلم والأدب؛ فأراد الخليفة يومًا أن يقف على التزام ابنه بالآداب التي ينبغي أن يتحلَّى بها تُجاه مُعلِّمه؛ فوجد المعلم، أي الأصمعيّ، يتوضَّأ، وتحديدًا يغسل رجليه، بينما التلميذ، أي ابن الخليفة، يصبُّ له الماء؛ فما كان من الخليفة إلا أن عاتب الأصمعيّ، قائلاً له، بما في معناه: إنما بعثته إليك لتعلمه العلم وتؤدِّبه؛ وكان حريٌّ بك، والحال كذلك، أن تأمره بأن يصبّ لك الماء بإحدى يديه، ويغسِّل بالأخرى رجليك.وهنا، يتوجَّب علينا أن نقفَ وقفةً طويلةً، هي في الغالب، لنتساءَل عن الذي حلَّ بنا، وغيَّرَ من طبيعة العلاقة التي كانت سائدةً ـ إلى زمنٍ، ليس ببعيد ـ بين المعلّم والمتعلم؛ هل يمكنُنا القول أن جُلّ الأمر مرجعه إلى تغيُّر نظرة أولياء أمور التلاميذ، أو فلنقل بعضهم، تُجاه المعلم؟ كيف تحوَّل التلميذ في محادثته لمعلِّمه من انتقائه أحسن الألفاظ وألينها على مَسمعِه وقلبه ووُجدانِه؛ مع الحرص على ألّا يرتفع بصوتِه، أثناء ذلك، على الحِدَّة المقبولة عُرفًا؛ إلى أن أصبح يرفع صوته عليه؛ بل وقد تمتد إليه يده الآثمة بالضرب، أو بالتهديد به.مجلة (المجتمع والقانون)، الصادرة عن الادِّعاء العام، ومن خلال مُلامستها لنبضِ الشَّارع، شعرت أن هذه القضية فعلًا تؤرِّق المجتمع، لإدراكه أن التحصيل العلمي مرتبطٌ، إلى حدٍّ كبيرٍ، بمدى تقدير الطلبة واحترامهم لمن يتلقون عنهم العلم؛ وأن المجتمع راغبٌ فعلاً في مُعالجةِ هذا الوضع المأسوف عليه، دون أن يعرف السبيل إلى ذلك.من هذا المنطلق، حاورت المجلة عَلَمًا من أعلام التربية والتعليم في السلطنة، وأحد أقدم وأبرز العاملين في هذا الحقل الشائك .. شاهدٌ هو على عصر التحولات العظيمة في البلاد، الأستاذ الجليل توفيق عزيز، وطلبنا منه تسليط الضوء على هذا الواقع المؤلم، ومن المسئول عنه؛ فكان لنا معه الحوار التالي ..س: قبل تفضُّلكم بالتعليق على هذه المشكلة، حبَّذا لو تعرِّفون المتلقي الذي لم يتشرَّف بمعاصرتكم، من هو الأستاذ توفيق عزيز.ج: اسمي توفيق محمد جمال عزيز، فلسطينيّ الأصل والمنبت. ولدت في مدينة صفد في منطقة الجليل الأعلى في دولة فلسطين، بتاريخ 6/3/1932م. مُقيم في السلطنة منذ عام 1956م، وفي عام 1971م، أنعم عليَّ السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيّب الله ثراه ـ بشرف الجنسيَّة العُمَانية.س: حبَّذا لو تحدثوننا عن نشأتكم العلمية، ومشواركم الوظيفي قبل قدومكم إلى السَّلطنة؟ج: أكملتُ دراسة الثانوية في سنة 1948م، وهي الفترة التي تزامنت مع اندلاع الحرب بين بعضٍ من القواتِ العربية، من ناحية؛ والميليشيات الصهيونية في فلسطين، من ناحيةٍ أخرى، وهي الحرب التي عُرفت بـ(حرب النَّكبة) في دولة فلسطين. ظروف هذه الحرب العصيبة، دفعت بوالدي إلى اتخاذ قراره بالخروج من فلسطين إلى سوريا، التي أقمنا فيها بصفتِنا لاجئين فلسطينين. وما كان لي أن أترك والدي يعمل بمفرده لتأمين لقمة العيش للأسرة، لاسيما وأنني كنت أكبر الأولاد؛ فعملت في مجال التدريس في (مدرسة المنشية)، في مدينة درعا؛ علمًا بأن درعا كانت مقسّمة إلى قسمين رئيسيين درعا القرية، ودرعا المحطة. الأخيرة سُمِيَت كذلك، لوجود محطة القطارات فيها. كانت مدرسة المنشية في درعا القرية. الطريف في عملي في هذه المدرسة، إنني كنت المسئول الأوحد فيها؛ فكُنت المدير، والمعلِّم؛ بل والفراش في الوقتِ نفسِه. درَّست جميع المواد، واستمر عملي فيها لمدةِ ثلاثِ سنوات تقريبًا. هنا توقف ضيفنا وقال: اعذروني، فلم أعد أتذكر المدَد والتواريخ بالدّقةِ المطلوبة في التوثيق التاريخي. بعد مدرسةِ المنشية، تم نقلي إلى مدرسة أخرى، لا أذكر اسمها، وكانت في درعا المحطة، وهي مدرسة أرقى من الأولى، وكنت فيها مُعلّمًا فقط؛ ليتولى غيري الجوانب الإدارية. عملت في هذه المدرسة لمدة سنتين تقريبًا؛ ليأتي بعد ذلك نقلي إلى محافظة السويداء (شرقي درعا)، التي عملت فيها في مكتب مدير المعارف؛ وبعد فترة انتقلت للعمل في مكتب الأونروا (UNRWA) ـ وهو مكتب وكالة الأمم المتحدة لغوثِ وتشغيل اللاجئين الفلسطينين ـ في مجال التدريس أيضًا؛ وبعد ذلك انتقلت للعمل في الوكالة نفسها، ولكن فرع دمشق، في المجال عينه؛ ومن هذه المحطة الأخيرة، كان انتقالي إلى عُمَان.س: هل نفهم من كلامكم أنكم عملتم في التدريس وأنتم في ربيعكم السَّابع عشر فقط؟ج: هذا صحيح، إلا أنني كنت قد حصلت على شهادة الماتريكوليشن الفلسطينية (Palestinian Matriculation Certificate)، وهي كانت شهادة كبيرة نسبيًا، وقوية في الوقت نفسه، وفق مقاييس ذاك الزمان؛ حيث ما كانت العامة لتسعى لهذه الشهادة، إلا حال اتِّجاه رغبتهم إلى الالتحاق بالجامعة؛ وما عدا ذلك، تنتهي الدراسة الثانوية بحصول الطالب على شهادة الصف الحادي عشر؛ وإذا أكمل الصف الثاني عشر، وهي سنة اختيارية، يُمنح شهادة الماتريكوليشن.س: أرجو أن توضحوا لنا ظروف مجيئكم إلى عُمَان، وكيف كانت رحلتكم؟ج: في عام 1956م، وبينما كنت في دمشق، تلقيتُ اتصالًا هاتفيًا من الأستاذ علي القاضي، الذي كان مديرًا للمدرسة السّعيدية ـ آنذاك ـ وسبق وأن عمل معي في مجال التدريس في مدينة درعا، حيث أوضح لي أن إدارة المعارف، في سلطنة (مسقط وعُمَان)، بِصَدَد استقطابِ مُعلمين من بعض الدول العربية، للعمل في المدرسةِ السعيدية في مسقط، المدرسة الوحيدة في ذلك الوقت؛ وأنه تم الإعلان عن هذا الاتجاه من قبل المجلس الثقافي البريطاني في بيروت، وإذا كانت لدَيَّ الرغبة؛ فعليَّ التوجُّه إلى بيروت لإجراء المقابلة اللازمة للتعيين. وفي الحقيقة، شجَّعني الأستاذ علي القاضي على القدوم إلى مسقط؛ فاستحسنتُ الفكرة، وذهبت فعلاً إلى بيروت، فوجدت الأستاذ علي القاضي هو شخصيًّا المسئول عن إجراء المقابلات؛ ومعه الأستاذ إسماعيل خليل الرصاصي (أصله من القدس)، الذي كان واليًا على مطرح، ورئيسًا للولاة، ومديرًا للمعارف. بعد المقابلة، تقرَّر تعيني، وباشرتُ الإجراءات اللازمة للسفر.من دمشق إلى مسقط:استرسل ضيفُنا في الحديثِ قائلاً: بداية الرحلة كانت من دمشق إلى بغداد، بواسطة حافلة رُكَّاب تُعرف باسم (نِيرَن)، واستغرقت الرحلة (17) ساعة؛ ثم من بغداد الى البصرة بواسطة القطار، لمدة (12) ساعة؛ وأخيرًا، من البصرة إلى مسقط عن طريق الباخرة، لمدة أسبوع زمان. كانت رحلة شاقة جدًا. وصلنا مسقط في شهر أغسطس الملتهب، من عام 1956م؛ ليلفت انتباهي، وانتباه زملائي المعلمين، فور اقترابنا من الرَّصيف البحري، وجود حشدٌ غفيرٌ من البشرِ على الرَّصيف. عندما عرفت سبب ذلك الاحتشاد، استبشرتُ خيرًا بأهلِ عُمَان؛ حيث قيل لي، بعد السُّؤال: أنهم أتوا لاستقبالنا والترحيب بنا نحن المعلِّمين. أوحى لي ذلك المشهد المهيب، الذي يقشعر له الأبدان، مدى حُب أهل عُمَان للعلم، ورغبتهم الأكيدة للاستنارة بنورِه. وعلى الرَّغم من حرارة الجو الملتهبة؛ إلا أن مشاعر الاستقبال كانت أشدُّ حرارةً. هذا المشهد يعكس لكم كيف كانت مكانة المعلم في المجتمع. كان المعلم شخصيَّةٌ عامة، يعرفها الجميع، ويقدِّرها القاصي قبل الداني.س: ما هي المادة التي كنت تدرسها؟ج: اعتدنا في فلسطين وكذا في سوريا، أن المعلم كان يدرس جميع المواد؛ وهكذا فعلت عندما قدمت إلى عُمان. حيث كنت أدرس العلوم والرياضيات واللغة الإنجليزية. وعندما سافر معلم اللغة العربية ـ أذكر أنه كان فلسطيني الجنسية ـ عَرض عليَّ مدير المدرسة أمر تدريس هذه المادة، فوافقت بكل ممنونية.س: ما هي المناصب التي شغلتها في عُمان؟ج: في الفترة (1956 – 1975)، تدرَّجت في الوظيفة من مُعلمٍ، ثم مساعدٍ لمدير المدرسة السعيدية في مسقط، ثم مدير للمدرسة؛ ثم مشرف تعليمي لمنطقة العاصمة. وفي الفترة (1975 – 1994)، عملت فيها رئيسًا لقسم الإحصاء التربوي في وزارة التربية والتعليم؛ ثم مدير التنسيق والمتابعة في مكتب معالي الوزير.س: ما هي المواقف التي استوقفتكم في بدايات مشواركم الوظيفي؛ وكيف كان يتم الإشراف على العملية التعليمية في بدايات النهضة المباركة؟ج: من المواقف التي أتذكرها، تصبُّ في الوعاءِ نفسه السَّالف بسطه، وهو وعاء حب العُمَاني للعلم والمعرفة. أذكر في ذات مرة، وبينما كنت أُدَرِّسُ في الصف، أُبلِغت بأنَّ شيوخًا من عُمان الداخل، أتوا لزيارة المدرسة، وأن الإدارة بصدد تمريرهم بين أركان المدرسة وفصولها. وصل الضيوف فعلًا إلى الصَّف الذي كنت أدرِّسُ فيه، إلا أنهم لم يكتفوا بالمرور العابر، والتحدث إلى المعلم، كما يفعل الضيوف عادةَ؛ وإنما جلسوا يستمعون إلى الدرس بأكمله. أوحى لي ذلك المشهد أن الكلّ مُتعطّشٌ للارتشاف من معين العلم والمعرفة.الإشراف على العملية التعليمية:استرسل الضيف في حديثِه مُجيبًا على الشّق الخاص بالإشراف على العملية التعليمية، بعد فجر النهضةِ المباركة؛ فأجاب: بعد 23 يوليو 1970م، كانت في السَّلطنة ثلاث مدارس فقط: مدرسة السعيدية في مسقط، وأخرى في مطرح، وثالثة في صلالة. كانت هذه المدارس تخضع لإشراف إدارة المعارف. وفي مطلع النهضة المباركة، وبعد أن بدأت الحكومة في نشر مظلة التعليم في الولايات، كنت قد عُيّنت مُشرفًا تربويًّا، وكان عليَّ الإشراف على مدارس العاصمة، من بدبد إلى قريات؛ كما كان المعلم القدير، الأستاذ عبدالقادر بن سالم الغساني، مشرفًا على التعليم في محافظة ظفار. وفي تلك السنوات المبكِّرة، استعانت الحكومة بفريقٍ من الخبراء، منهم من الجامعة الأردنية، ومنهم من جامعة اليرموك الأردنية؛ لرسم السياسة التعليمية في السَّلطنة، وتحديد اختصاصات العاملين في المنظومة التعليمية الوليدة. كان هذا الفريق برئاسة الدكتور عمر الشيخ، ومعه الدكتور توفيق مرعي (فلسطيني)، وآخرون لا أذكرهم.هذا، ولقد أردف ضيفُنا قائلاً: وفوق كل ما ذكرته، فالإشراف العام، بل واللصيق بنا، كان من السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ بنفسه؛ حيث ما كان يمر أسبوع دونما المرور على المدارس؛ فيدخل الصفوف، ويناقش أبناءه التلاميذ في المواد التي كانت تُدرَّس لهم، فيناقشهم في قواعد اللغة العربية، وفي التاريخ العُماني، وغير ذلك من المواد؛ ثم يتفضَّل بإسداء النصائح لهم، بشكلٍ دائم، قبل أن يهمّ بالإنصرافِ من المدرسة.وضع المعلم الآن:بعد هذه الاستهلالية التي قصدَتْ منها (المجتمع والقانون) تعريف جمهور القُراء بشخصيةِ الأستاذ توفيق عزيز؛ وبلمحةٍ مُوجزة عن المنظومةِ التعليميةِ قبل سنة 1970م، وفي بدايات النهضةِ المباركة؛ ينتقل موضوعنا إلى التعليق على الإشكالية المطروحة؛ فيقول: على الرَّغم من أن الوضع لدينا في عُمَان ليس بتلك الصورة البشعة التي تعاني منها بعض الدول؛ يمكن القول أن الوضع في عُمومِه مريرٌ ومُؤلم؛ وفي مَسيسِ الحاجةِ إلى تصحيح. فليس فقط نظرة المجتمع إلى المعلم هي التي تغيَّرت؛ وإنما نظرة المعلم إلى نفسِه تغيَّرت أيضًا. وهذه النظرة الأخيرة، في نظري، ناتجة عن إحساس المعلم بإنكماش حجمه واحترامه في المجتمع؛ كنتيجةٍ مباشرة لإيلاءِ اهتمام أكبر للتخصُّصات الأخرى؛ مما نتج عنه نوع من التهميش، غير المقصود، لمهنة التعليم؛ ليؤثر ذلك بالتبعية على مستوى وجودة العطاء لدى بعض المعلمين، وليس كلهم. يستطرد ضيفنا في حديثِه فيقول: قدرٌ من المشكلة يكمن في أن شخصِيَّة المُعلّم لم تعد تلك الشخصية التي كان عليها مُعلّم الأمس؛ مُستطردًا ذلك بالقول أن الأمر مرجعه ابتداءً إلى الاختيار غير الموفَّق لمن يتولى أمر التدريس. فلا ينبغي أن يتولى تعليم النشء وتكوينهم فكريًا، إلّا من لديه قدرات فطرية خاصة؛ وقيل في الأثر: من لم يُخلق ليكون مُعلِّمًا، فعبثًا هي محاولات إعداده. هذا الكلام يقودنا إلى أهمية وضع من الآليات والسُّبل ما يكفي للإختيار السَّليم لمن سيخوض غمار هذه العملية الشاقة، التعليم بشكلٍ عام، وتعليم النشء، بشكلٍ خاص. فلا ينبغي، والحال كذلك، أن يكون إنخفاض المجموع الحاصل عليه الطالب في شهادة الثانوية العامة، هو بوابة دخوله إلى سلك التعليم.س: هل يفهم من كلامكم أن المعلم هو المسئول عن انتشار الاشكالية المطروحة؟ج: هي في نظري مسئولية مشتركة بين حزمة كبيرة من العوامل، من ضمنها المعلم، تتظافر مع بعضها البعض، لتكون المشكلة.س: هناك من يقول أن التعليم اليوم، لم يعُد مثلما كان في السَّابق؛ في تلميحٍ بأن التعليم القديم كان أكثر قوة وعُمقًا، لاسيما في اللغة العربية وعلوم الدين. فماذا أنتم قائلون؟لا أستطيع بالأمانة أن أعيب على تعليم اليوم، القائم على أسسٍ علميةٍ رصينة. فالوزارة مشكورةً، تبذل جهودًا كبيرة في تأهيل المعلم وتسليحه بأحدث الأساليب العلمية في نقل المعلومة إلى التلاميذ؛ ناهيك أيضًا عن أن المناهج تطوَّرت كثيرًا عمَّا كانت عليه. المدرسة السعيدية اشتهرت بين القاصي والداني بقوة مستواها التعليمي؛ وكان الحاصل على أعلى شهادة من مدرستنا، وهي (شهادة الدراسة الابتدائية)، يُقبل في كثير من مدارس الدول العربية، بل ويُسجل في السنة النهائية للمرحلة المتوسطة (الإعدادية العامة)، أي الصف التاسع. وكانت أغلب مخرجاتنا تتَّجه إلى دولة الكويت، وقليل منها إلى مملكة البحرين. فعلاً، كانت مخرجاتنا قوية جدًا؛ رغم أن المقرّرات اتسمت بالبساطة. فلقد كنا في اللغة العربية عامةً ندرّس كتاب (المروج)، استوردناه من لبنان؛ أما قواعد اللغة، فكنا ندرسهم كتاب (النحو الواضح) الجزء الأول منه والثاني، من مصر؛ ومختارات من الشعر العُماني؛ أما التربية الإسلامية، فكان الاعتماد على كتاب (تلقين الصبيان) للشيخ نور الدين السَّالمي؛ والتاريخ العُماني كان يكتبه الشاعر المعروف السيد هلال بن بدر البوسعيدي؛ ويُدرس للطلبة بعد أن يعتمده السُّلطان سعيد بن تيمور شخصيًا؛ وفي موازاةِ ذلك، كُنَّا ندرِّسُ طلبتنا مختارات من تاريخ الوطن العربي.وعليه، فلا أتفِق مع من يقول أن التعليم في السَّابق كان أقوى من التعليم الحالي؛ ولكن، ربما مُجمل الظروف تغيَّرت، الظروف الاجتماعية في البيت، وفي خارج البيت؛ الملهيات كثرت؛ وقَلّ بالتالي التركيز في التعليم، فانخفض المستوى لدى البعض، وليس لدى الكل. فلا تزال لدينا مخرجات جيدة، نعتز بها جميعًا.س: يشير لنا التاريخ إلى أن عطاء الأستاذ توفيق عزيز لم يقف عند محطة التربية والتعليم فحسب؛ وإنما امتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ وتحديدًا، إلى محطةٍ وطنيةٍ تعد، وبحق، رمزًا بارزًا من الرموز الدالة على الحبيبة عُمان؛ ولأكون أكثر دقةً، فهي محطة متعلقة بالنشيد الوطني السُّلطاني. فهل لكم أن تعرّفوا المتلقي بحيثيات هذه المحطة الوطنية؟ج: في عام 1971م، كلَّفني السيد حمد بن حمود البوسعيدي ـ رحمه الله ـ رئيس الديوان ـ آنذاك ـ كلفني بأن أقدم له مُقترحًا لنشيدٍ، يصلح بأن يكون نشيدًا وطنيًا. وفي ذلك الوقت، كنت أدرس اللغة العربية لمدير البنك البريطاني، يدعى المستر بيتر مِيسون (بريطاني)؛ فعندما أسررت له عن فحوى التكليف؛ قال لي: سأعطيك شيئًا ثمينًا، سيكون لك داعمًا فيما أنت بصدده من عمل. قلت له: وما هو هذا الشيء؛ فرد علي بأنه اسطوانة صغيرة تشتمل على سلام وطني، عبارة عن مقطع موسيقي فقط، دون كلمات. سألته من فوري، وما مصدر هذا السلام؛ فرد علي قائلاً: أنه من تأليف الموسيقار العالمي تشايكوفسكي (Tchaikovsky)، الذي وضعه بناءً على تكليفٍ ورده، ليُعزف في مراسمِ استقبال سلطان عُمان فور أن تقرر حضوره ـ إلى جانب مجموعة من الملوك والرؤساء ـ حفل افتتاح قناة السويس في عام 1869م. وبعد الانتهاء من مراسم الحفل، وكذا توديع زعماء الدول، سُجِّلَ المقطع في إسطوانات صغيرة، التي كانت سرعتها (45) دورة في الدقيقة، ووزّعت لاحقًا على دول العالم، لتعزف، متى ما حلّ السُّلطان، أو ارتحل.واصل الأستاذ توفيق حديثه قائلاً: وهكذا، استلمت الإسطوانة من المستر مِيسون، وجلست أسمع المقطع الموسيقي، وأضع عليه الكلمات؛ خلافًا للممارسة المتبعة عمليًا من تأليف الموسيقى، وتطويعها بما يتناسب والكلمات الموضوعة سلفًا. في بادئ الأمر، كنت قد كتبت:(يا ربنا احفظ لنا بلادَنا عُمَان)، إلى آخر النشيد المعروف اليوم. وعندما قدمته إلى السيد حمد بن حمود، أعاده إليّ ووجَّهني بتضمين جلالة السُّلطان فيه، لذلك، غيَّرته إلى (يا ربنا احفظ لنا جلالة السُّلطان)، وفي مقطعٍ آخر (أبشري قابوس جاء .. فلتباركه السَّماء). ويسترسل الأستاذ توفيق قائلاً: كتبت قبل هذا البيت، البيت الذي يحفظه الجميع، وهو:(يا عُمَان نحن من عهد النبي .. أوفياء من كرام العربِ)، استوحيته من حديث الرَّسول (عليه الصلاة والسلام) الذي قال: (رحمَ اللهُ أهل عُمان، آمنوا بي ولم يَروني). وبعد أن وافق على النشيد السيّد حمد، تم تسجيله في شريطٍ سمعيٍّ، بصوتي على ذلك اللحن الذي أوضحته لكم؛ وأرسل إلى السُّلطان قابوس الذي تفضَّل ـ رحمه الله ـ مشكورًا باعتماده. وهذه هي قصة النشيد الوطني.س: في الختام، نسألكم ـ وبصفتكم مُعلّمٌ سابق ـ عن ما هي أكثر اللحظات إسعادًا للأستاذ توفيق عزيز الآن؟ج: أحب أن أوضح لكم بدايةً، أن أيّ مُعلّمٍ، على ظهر البسيطة، مؤمنٌ برسالتِه التربوية التعليمية، يحبُّ أن يرى غرس يده وقد أصبح ثمارًا يانعة؛ يشعر عندئذٍ أنه فعلاً قدَّم عملاً نافعًا للمجتمع؛ فيزداد بذلك اعتزازًا برسالتِه، رغم المصاعب الجمَّة التي تحفُّها. ولتوفيق عزيز أيضًا نصيبٌ من هذه المشاعر والأحاسيس؛ فأشعر بسعادة، ما بعدها سعادة، كلَّما وجدتُ طلابي يُحلِّقون عاليًا في مناصبٍ رفيعة. ولكم أن تتصوَّروا مدى سعادتي وأنا أرى أصحاب تلكُم المناصب يُقدِّرونني، كلَّما صادفتهم في أماكنٍ عامة، فيقفون لي، رغم تقدُّمهم في العمر، تقديرًا وعرفانًا بصنيعي معهم، حينما كانوا يافعين؛ فيقدمونني على رِفاقهم بِكوني صاحب الفضل فيما وصلوا إليه، ويستذكر البعض منهم مواقف طريفة حدثت معهم في صِباهم، وكنتُ شاهدًا عليها.قبل فترةٍ وجيزة، كنت في أحد مراكز الشرطة التي تقدم خدمات للمواطنين، وقبل أن أهِمُّ بإنجاز المعاملة، سمعتُ من يناديني: الأستاذ توفيق .. الأستاذ توفيق؛ وإذا به الضابط المسئول عن المكان، يستقبلني بحرارةِ التلميذ لمعلمه، رغم مضي ما ينوفُ على الأربعين سنة منذ أن درّسته. هذا لعمري من أسعد اللحظات إلى قلبي، وهو تقديرٌ لا يُدانيه تقدير. نشر هذا اللقاء في العدد (8) من مجلة (المجتمع والقانون) الصادرة عن الادّعاء العام.