نهاية الدرب الاقتصادي لكورونا ستكون غير مألوفة، فالإصابات والوفيات جراء الوباء واقع حزين؛ وليست افتراء أو نسجا لأساطير الأولين؛ وإن كان الاقتصاد قد ران على قلوب البعض، وتعجلوا الفك، فلا أتوقع إلا أنهم في الأشهر المقبلة سيدعون ثبورا، خاوية خزائنهم، فائضة كوارثهم.. بدأت دول كثيرة في مختلف أنحاء العالم رفع حظرها الجزئي أو الكلي الذي فرضته على مواطنيها للحد من انتشار وتفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) للهروب من شبح الانكماش الاقتصادي الذي يخيم عليها؛ إلا أن فك العزلة المنزلية وعودة الحياة لطبيعتها محفوف بالمخاطر البشرية والاقتصادية، بل ويهدد باتساع رقعة انتشار الوباء من جديد؛ فيما التزمت دول أخرى بتطبيق التدابير والإجراءات الوقائية حتى تسجيل صفر حالات إصابة، وما بين الرغبة في رفع الحظر وعودة الحياة واستمرار تطبيق الاحترازات الوقائية تتلوى الدول بين مطرقتها وسندانها على أمل اكتشاف معالم الدرب الاقتصادي لفيروس كورونا.في آخر قرن ونصف من الزمن تعرض الاقتصاد العالمي إلى 14 أزمة اقتصادية كان أضعفها على الإطلاق عام 1991 بانكماش يقدر بنحو 0.3%، وأعلاها الانكماش الاقتصادي في الفترة من 1930 وحتى 1932 حيث بلغ 17.6%، فيما يصل الانكماش الحالي إلى نحو 6.2% وهو ما لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ 15.4% عام 1945.الواقع يعكس فجاعة أزمة كورونا، وفي نفس الوقت يبدو الوضع الاقتصادي مرعبا، فالصحة العالمية محاطة بالمخاطر، ويبدو أن الوباء سيطول، وتمتد معه تأثيراته وانعكاساته، لكن سرطان الانكماش والركود سينهش الجسد الاقتصادي العالمي، حيث سترتفع البطالة والتضخم والعجز المالي مقابل انخفاض الإنفاق، والطلب على الطاقة، والإيرادات، خصوصا في الاقتصادات النامية والأسواق الناشئة، ووصف البنك الدولي آثار جائحة كورونا بأنها «صدمة سريعة وضخمة»، وقالت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، إن الاقتصاد في حاجة إلى «انتشال»، وعزت مساعدة رئيس مجموعة البنك الدولي لشؤون النمو المتوازن سيلا بازارباسيوجلو مستقبل الوضع إلى أن «الكارثة ستسبب ندوبا طويلة الأمد»، بينما اعتبرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، الوضع بأنه «يقود إلى أوقات عصيبة»؛ ولم تختلف التوقعات في الولايات المتحدة عنها في أوروبا، ولا في آسيا عن الأميركتين.منذ بداية الأزمة وقعت حكومات بعض الدول في حيرة، منها من اختار الحفاظ على الاقتصاد، ومنها من اهتم بحماية الأرواح، وقلة قليلة حاولت المواءمة بين الاختيارين؛ لكن مع مرور الوقت اضطر بعضهم لفك العزلة، ورفع الحظر، وإطلاق إشارة بدء استعادة الحياة، على الرغم من أن الوباء ما زال يحلق في كافة الأركان، وما كاد كيل الاحترازات يفيض ناعقا في غرف الاقتصاد المتنوعة، لم تجد هذه البلدان بدا من إعادة الحياة حتى في ظل استمرار تفشي الوباء، مع الالتزام بالتدابير والاحترازات والمحاذير، إنعاشا لأوضاعها المالية، وهربا من تدني النمو، وفرارا من الانكماش، وهتكا للركود.نهاية الدرب الاقتصادي لكورونا ستكون غير مألوفة، فالإصابات والوفيات جراء الوباء واقع حزين؛ وليست افتراء أو نسجا لأساطير الأولين؛ وإن كان الاقتصاد قد ران على قلوب البعض، وتعجلوا الفك، فلا أتوقع إلا أنهم في الأشهر المقبلة سيدعون ثبورا، خاوية خزائنهم، فائضة كوارثهم، ترهقهم ذلة العجلة، لأنهم قدموا المال على العمال، واستأنسوا الأرباح عن الأرواح، فسقطت عروش المال والجاه، فيما سنجد الفارين إلى البشرية متعافية خططهم، ويدب النمو في شرايين اقتصاداتهم بعد بلوغ العجز التراقي، ووقتها ستكون خريطة العالم في طور التشكيل الجديد وفق معطيات اقتصادية جديدة، ويبدأ الفارون خطاهم وفق نهاية الدرب. أيمن حسينكاتب مصري وباحث علوم سياسية[email protected]