حقيقة مع مثل هذه الجائحة أو هذا الوباء، أدركنا مؤخرا أن العالم لم يصبح قرية صغيرة، بل عبارة عن قرى عديدة منفصلة، لا يمكن لأحد أن يرى الآخر. نرى العالم أنه ليس كما كان قبل فيروس كورونا، وليس هو في وقت هذا الفيروس، ولعله لن يكون بعد هذه الجائحة.

ما زلنا في أسرنا نتيجة لهذا الزائر الغريب، والذي قد أثر وتأثرنا به في جميع أيامنا وساعات يومنا. ولعله يهمس لنفسه منذ البداية قائلا لقد جئت لأبقى! لا يوجد لقاح أو علاج حقيقي حتى الآن، لا شيء سوى احتمالات ومحاولات لإيجاد العلاج وربما أسئلة صغيرة أو كبيرة هنا وهناك. فبعد كل هذه الأسابيع، هل بدأت الحياة تستعيد زخمها في الوقت المسموح به؟ وهل بإمكاننا التجول أو الحركة بحرية أكثر؟
وعلى الرغم من الإجراءات غير المسبوقة للتقليل من تداعيات انتشار الفيروس، إلا أنه أوجد نوعا من الخوف والقلق في قلوب الأفراد والناس صغارا وكبارا، والخوف من جائحة “كوفيد 19”، بل والخوف من الموت وتعداه إلى الخوف من قلة ووفرة المواد الاستهلاكية في فترة ما من الجائحة. لكن إذا عدنا قليلا إلى الوراء سندرك أن الإنسان بطبيعته يعتقد أنه بسط سيطرته على الطبيعة وعلى من سواه، وفجأة وبظهور الجائحة بدأ يفقد كل شيء ويظل مصدوما ومتفاجئا! كيف لا؟ وقد مكث الناس أسابيع طويلة في منازلهم، وها هي الطبيعة مستمرة في الحياة. بحق لقد شعر الإنسان بخوف جديد يختلف عن خوفه السابق في مواجهة الحروب والكوارث الطبيعية، ومن ناحية أخرى قد يكون من حسن الحظ في تلكم الأسابيع، وما زالت في عدد كبير من دول العالم، السيارات في الشوارع، والبواخر في المحيطات أعدادها تقلصت، وأصبحت المصانع آنذاك صامتة، فانخفضت معدلات التلوث واستعادت الأرض جزءا من رمقها استعدادا للشفاء.
يا لهذه الأقدار، الموت هنا يعني الحياة هناك، والفيروس الذي يسكن رئة الإنسان ويقتله يقدم للطبيعة الحياة ليتم تجديدها وإحياؤها، ناهيك أنه لا يزال أمامنا شهور عديدة للحصول على لقاح محتمل، وقد يستغرق ذلك وقتا طويلا للانتظار، فيتسبب الفيروس في الكثير من الضرر قبل احتوائه. وبالرغم من ذلك ربما نصل إلى مرحلة المناعة المجتمعية أو مناعة القطيع (الحماية غير المباشرة من الأمراض المعدية التي تحدث عندما تصبح نسبة كبيرة من السكان محصنة ضد العدوى، سواء عن طريق اللقاح أو العدوى السابقة) ببطء، وإبقاء الحالات منخفضة بما يكفي لتجنب أثقال أنظمة الرعاية الصحية.
مع هذا وذاك، أعتقد أننا ما زلنا بحاجة إلى جرعة كبيرة من التفاؤل، بالنظر إلى أن بعض الأنشطة التجارية في معظم البلدان قد عادت، وبدأت الحركة تدب في الشوارع، إضافة إلى ملامح العودة الكلية والتدريجية للحياة العامة، إلا أن بعض الدول نهضت من راحتها بعد موجة الفيروس الأولى، وترى أن الأقدار ربما ساقت إليها موجة ثانية مقتربة لكارثة بشرية أخرى، ولكن الحقيقة أن الناس هنا لديهم رغبة ولهفة شديدة لشكل الحياة الذي كنا نعرفه سابقا.
ناهيك أن هنالك أماكن بالعالم ما زال فيروس كورونا يهاجم باستمرار مساحات كثيرة من مجتمعاتها، فهل وصلنا إلى أن نقول بأنه يجب علينا أن نتخلص من الخيال الذي نتأمله بالعودة إلى ما كنا عليه قبل الجائحة؟ وهل بالفعل ومع عودة أعداد الحالات وارتفاعها في تلكم الدول يؤدي وبشكل مبكر إلى إعادة التباعد الاجتماعي؟ أم ستتردد مؤسساتها في التصرف في وقت قريب بعد تخفيف الإجراءات؟! معنى ذلك، وبكل تأكيد أنها ستصل في مرحلة ما من الجائحة، إلى تدابير أكثر قوة وصرامة بارتفاع أعداد الحالات وبشكل أكبر.
طبعا وبكل تأكيد لا يستطيع الناس العيش بمفردهم في منازلهم للأبد، فإذا التزمنا بقواعد التطهير، والحجر الصحي الصارمة، والتحقق مثلا من درجات الحرارة، وارتداء كمامات الوجه، فبالتالي من غير المحتمل أن تؤدي موجات الفيروس إلى تفشي أعداد كبيرة من الحالات، ولكي نكون أكثر صدقا فالخيار الوحيد القابل للتطبيق، ولتمكين النشاط الاقتصادي من العودة بينما يستمر الفيروس، هو انسجام وتوافق حياتنا اليومية مع جهود الاحتواء.
حقيقة مع مثل هذه الجائحة أو هذا الوباء، أدركنا مؤخرا أن العالم لم يصبح قرية صغيرة، بل عبارة عن قرى عديدة منفصلة، لا يمكن لأحد أن يرى الآخر. نرى العالم أنه ليس كما كان قبل فيروس كورونا، وليس هو في وقت هذا الفيروس، ولعله لن يكون بعد هذه الجائحة. ومن المدهش إدراك أن جائحة “كوفيد19” أثبتت أن الاستعداد للأمراض القادمة لم يعد قضية رفاهية أو مشكلة جانبية، بل ونحن في هذا القرن أصبح لدينا يقين بأن الحماية والتحصين، والحفاظ على صحة الإنسان وتحسينها، ومعالجتها أكثر أهمية من الأسلحة التي تحمي الحدود!
بالأخير، ستطرح أسئلة جديدة غدا عن هذا الفيروس، رغم أنها أثيرت سابقا أمام العلماء والأخصائيين والاقتصاديين، وأمام الإنسان بشكل عام، يسألون عن الخوف ولكنهم منفتحون على الأمل؟!

د. يوسف بن علي الملا
طبيب، مبتكر وكاتب طبي
[email protected]