[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/aliaklahersan.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]علي عقلة عرسان[/author]

إن معاناة من يقهر في بيته ووطنه ومن يطرد من بيته ووطنه ومن يُنهب بيتُه ويهدم عليه وهو في وطنه، ومن يضطر إلى حمل أولاده الصغار والنزوح واللجوء والعيش في مخيمات في البوادي لا يذهب متطوعًا ولا متنزِّها ولا مستدعيًا الشَّفقة بل مضطرًّا.. وتلك كوارث فردية وجماعية تكون أكبر بكثير في حالات، من معاناة من يبقى عرضة للمعاناة والخوف وهو في داره ووطنه.

الجَنَّة والنَّار ضدَّان ينتظران الإنسان، والناس أضداد في كثير من الحالات والأمكنة والأزمان، يكوي بعضهم بعضًا بالنار ويخلقون جحيمًا دنيويًّا بغير عدل، قبل بلوغ جحيم الآخرة لمن يستحقه بحكم إلهي عادل. والجنة والنار مستقرٌّ يوعد المرء بإحداهما في الآخرة من دون أن يرجَح لديه مآل على مآل، لأن ذلك مرتبط بالعبادات والأعمال والنيات، وكلٌّ بتقدير العليِّ القدير، وما يتصل بذلك الشأن غيبيٌّ ويخرج عن الإرادة البشرية وعن تقديرها وتفسيرها وتدبيرها.. لكن في الدنيا التي هي دار ممر يعيش المرءُ جحيمها أو نعيمها بنوع من اليقين بسبب آخرين ومعهم.. في هذه الدنيا يقين بأن بعض الناس يصنعون مقادير غيرهم، ويدخلونهم الجنة والنار الدنيويتين من دون عدل أو حساب وعقاب ووفق الهوى وما يسنه من “ قوانين”.. ويبدو أن هذا هو شأن كثير من الناس في بلدان وأزمان.. ومنهم من يعاني مرَّ المُعاناة من دون أن يكترث بمعاناته أحد، ومنهم مَن إذا جُرِح إصبعُه قامت له الدنيا على قدم وساق، تتعاطف معه وتواسيه.
أقول هذا وأنا أقارب بعض حالات أناسنا في بلدنا العزيز سوريا، زمن الحرب/ الكارثة، حيث بعض الجحيم مقيم منذ سنوات، وحيث أناسٌ يزجُّون فيه أناسًا، وحيث يكتوي معظم أبناء الشعب السوري بنار جحيم الأقوياء والدول ذات الشوكة النووية والأوبئة العدوانية، ممن يستبيحون البلدان والشعوب بأشكال من الاستباحة لا يمكن أن تمت إلى الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية والقانونية بصلة.. ويحوِّلون الناس إلى فئران مختبرات لتجريب الأسلحة، وإلى أدوات في ميادين الصراعات والحروب.. فيدخلون بشرًا في جحيم دنيا قد لا يعفيهم من جحيم الآخرة، ويدخلون آخرين نعيمًا قد لا يعفيهم من جحيم الآخرة أيضًا؟! ومما أقاربه من حالات في هذه العجالة حالتان، داخلية وخارجية، وكلٌّ منهما تفتح أبوابًا على الجحيم الدنيوي أو تزجّ أناسًا فيه وتفتح نوافذ للمتنعمين بنعيم الأقوياء الدنيوي.
الحالة الأولى داخلية: وهي أن في وطننا العزيز، المصاب بالنَّكبات وببعض أهله وبغير أهله، هناك مَن يصنِّفون الناسَ على هواهم ووفق هوى مَن يوالون ومَن يتزلَّفون إليهم، فتجد المَغضوب عليهم والمَرضيّ عنهم والبين بين، وفق معايير تحتاج إلى غَربلة بل إلى تنخيل هي ومَن يطلِقُها، وتلك أمور لا تبني ولا تنصف ولا تقارب بين الناس المصابين بالناس، وأصحاب تلك الأحكام والتصانيف قد يكونون من بين من يحتاجون أكثر من غيرهم إلى من يحكم عليهم أو يردهم إلى الصواب ويدعوهم إلى الكف عن ذلك، وترك أمر الاتهام والحكم إلى جهات مختصة بالقضاء والشرع والعدل وتطبيق القانون لتحكم بإنصاف وعدل ونزاهة حسب الأصول المتَّبَعة. ومن المفيد بل من الواجب النظر إلى مثل تلك الأفعال على أنها لا تساعد على رأب الصدوع الموجودة في البنية الاجتماعية نتيجة الظروف المأساوية التي مرَّ ويمرُّ بها البلد والشعب.. ذلك لأن مثل هذه الأمور تمس الناس وضارة بهم وتتحول إلى مواقف وملاحقات ولا يجوز أن يتم ذلك بهذه البساطة، كما لا يجوز وضع مواطنين في مواضع الاتهام أو الإدانة من دون تدقيق وتمحيص لأن فيه من الجور والحيف أو من المحاباة وتحكيم “الهوى والنزوع العدواني” ما فيه، ومن ثم يُكرّس شبهات من دون وجه حق ومن دون مرعاة للواقع والوقائع ومعطيات الأزمة/الحرب/الكارثة التي شملت البلاد والعباد، وأدت إلى تردي العلاقات وتهافت في الأخلاق والسلوك والتعامل.. وكل ما يشاع ويطلق ويكرَّس يحتاج إلى إعمال العقل والوجدان والقانون وأخذ الكثير من الوقائع ومعطيات الواقع بالاعتبار ليكون حكم قيمة أو حكم قانون.
ففي وطننا المصاب بالحرب/الكارثة منذ عشر سنوات عِجاف، هناك في الموالاة والمعارضة مَن يحكم على مَن غادر وهاجر وعلى من بقي وناصر، أحكامًا سلبية. وحقيقة الأمر أن مَن بقي في وطنه عانى معاناة قد لا تحيط بصعوبتها الكلمات، والآخر الذي اضطر إلى النزوح واللجوء والهجرة والتهجير القسريّ عانى أيضًا معاناة قاسية.. وعلى هذا فإنَّ في وطننا الحبيب، بيت السوريين جميعًا، يوجد تعسّف يمارسه أشخاص من الطرفين الموالي والمعارض، ويبرعُ فيه أشخاص يتزلفون وينتهزون ويتلطون في زواريب السياسة والإعلام والثقافة يتاجرون بالولاء وضده، ويصدرون أحكامًا على أناس عاشوا المِحنتين في الداخل والخارج، وتضرَّروا من ظروف وأوضاع قاهرة في أثناء الحرب القذرة التي دارت وتدور في سوريا وعليها.. ومن أولئك مَن استُهدِف ويستهدَف بأحكام واتهامات وتصنيفات على الهُوية والمناطقية والمذهببية، وقد طالهم أولئك حيف وظلم من دون تمييز.. ومن عاشوا الرعب ويعيشونه، ومَن هربوا ويهربون بأنفسهم وأطفالهم من الدمار والقصف والإرهاب والموت والظلم والقهر نتيجة وشايات وتقارير كاذبة أو بسبب مواقف اتخذوها، وما ينطلق عليهم من أحكام ويوجه إليهم من تُهم يمس بمشاعرهم الوطنية وكرامتهم الشخصية.
وهناك من عاش ويعيش، في أثناء الهرب والنزوح واللجوء، أقسى الظروف وأصعب المِحن، ومَن آلمته مشاعر الاضطهاد العنصري في أماكن ينتشر فيها وباء العنصرية، وربما عانى ويعاني أكثر بكثير ممن بقوا تحت سقوف بيوتهم في الوطن.. ولا يعرف قسوة العيش خارج الببيت والمجتمع والوطن إلَّا من جرب ذلك وعاش الغربة والمنفى والمِحنة والحاجة والذل، وعرف معنى التشرد والبرد والحَر والفقر والقهر.. وتاق إلى دياره ولم يُمَكَّن أو لم يتمكَّن من العودة إليها، ومع ذلك تطوله اتهامات وإدانات؟!
إن معاناة من يقهر في بيته ووطنه ومن يطرد من بيته ووطنه ومن يُنهب بيتُه ويهدم عليه وهو في وطنه، ومن يضطر إلى حمل أولاده الصغار والنزوح واللجوء والعيش في مخيمات في البوادي لا يذهب متطوعًا ولا متنزِّها ولا مستدعيًا الشَّفقة بل مضطرًّا.. وتلك كوارث فردية وجماعية تكون أكبر بكثير في حالات، من معاناة من يبقى عرضة للمعاناة والخوف وهو في داره ووطنه. وكل ذلك ينبغي أن يراعى من كل الأطراف المعنية بدقة وعقلانية ووجدان حي وبُعد نظر، عند إطلاق الأحكام والتهم على الناس أو ترديد تهم وأحكام أطلقت عليهم.. أقول هذا مع تأكيد التسليم التام بأنه لا تجوز المساواة بين المتآمر والخائن والعميل ومن بيع نفسه وبلده والناس ويلجأ إلى مشغّليه وحُماته عند الحاجة، وبين ضحايا أولئك ممن حلَّت بهم المِحن ويعانون من نتائجها، ويقع في حكم أولئك المتهافتين أو ما يقرب منه من يعذِّب الأبرياء ويقتلهم ويلاحق غير الموالين ويرذِّلهم.
ويُستثنى من ذلك الوضع والحكم والوصف أولئك الذين يقطفون ثمر الخارج والداخل، ممَن ظلَموا وعَذَّبوا وقَتلوا، وممّن تآمروا وخانوا وباعوا الوطن واستعدوا عليه الأعداء.. وكل من أولئك في الضِّفتين رفع ذاته ومصلحته فوق الشعب والبلاد، وتاجر بكل شيء بما في ذلك المَبدأ والدم والإنسان والقيمة. والحكم على أولئك، بعد محاكمتهم محاكمة عادلة، واجبٌ وطني وأخلاقي وإنساني، والتصرف حيالهم ينبغي أن يكون في ضوء ذلك، وواضحًا ومعلَنًا وصارمًا وحازمًا مهما طال الزمن وامتد غياب الحساب.
وهناك في الوطن من هم أشد إثمًا وإجرامًا بحق الشعب، وهم مَن يتاجرون برغيف الخبز ودم الشهداء، وينهبون الوطن والشعب ويشوهون صورتيهما، ويثرون ثراء فاحشًا بوسائل غير مشروعة، يفسِدون وينهبون ويستغلون الأزمات والحروب والظروف، ويعرضون مواطنيهم لما يذلُّ، ويدمرون العلاقات والقيم الاجتماعية والوطنية والروحية والإنسانية، ويقضون على قوة الوطن وهيبته، ويبقون فوق القانون والمساءلة والاتهام والنقد، ويشغلون مرتزقة لفرض الأتاوات والتجارة بالمخدرات وغيرها من الممنوعات ويشكلون مراكز قوة..
أَمَّا الحالة الثانية فخارجية تفتح على الداخل أبواب الجحيم:
ففي وطننا الحبيب، سوريا، توجد دول وجيوش وقوى وتحالفات وميليشيات وقوى وكلٌّ يعمل ضد الآخر وكالة أو مباشرة، مع وجود تنسيق عالٍ بين الأطراف الكبرى الفاعلة على الأرض في مجالات سياسية واقتصادية وأمنية.. وسوريا وشعبها وحدهما يدفعان ثمن ذلك كله “دمًا ودمارًا ومعاناة شعب وأزمات حكم وانهيارات اجتماعية وأخلاقية وسلوكية”.. لدرجة أن الشعب الذي تدور رحى أقذر حرب على أرضه، ضده وضد وطنه، أصبح اهتمامه محصورًا بالهرب من الموت، وبالبحث عن رغيف الخبز، وجرة الغاز، والكهرباء والماء والمازوت للتدفئة، لا في كيفية استنقاذ نفسه والوطن من الاحتلال والبلاء والابتلاء.. وأصبح معظم فقرائه يتضورون جوعًا، ويشكون من نهب التجار وفساد الفاسدين والمفسدين والمتنفذين ومَن في حكمهم من المرتزقة والمنافقين.. ولا مِن مستجيب ولا من معين ولا من قدرة على العون.. والعالم يتفرَّج؟!
لقد أصبحت سوريا، خلال المراحل الأخيرة من عمر الأزمة/الحرب، أكثر من أَيِّ وقت مضى، ميدانًا لصراعات دولية شرسة تفضي إلى ضائقات اقتصادية ومالية ومواجهات عسكرية يدفع ثمنها الأكبر الشعب السوري، ويدفعه “شهداء ودمارًا ونزوحًا وتهجيرًا ورعبًا وفقرًا ومعاناة كارثية”، وأصبحت البلاد مساحة مفتوحة لأطماع دول وقوى وتحالفات إقليمية ودولية، وأصبح شعبها يُستَنزَف يوميًّا ويستهدَف بالرعب والإرهاب ويحاصر بالضائقات والعقوبات والغلاء والفقر والفساد والإفساد، ويتشرد أبناؤه ويعيشون في العراء أو في مخيمات النزوح واللجوء حيث لا تتوافر أدنى مقومات العيش والأمن والسلامة من الأوبئة.. تتهدّدهم المجاعات والأمراض ولا مِن ناصر ولا من معين ولا مَن يفرج كربًا أو يخفف معاناة.
وأصبح وطننا رهينة بيد قوى تتصارع عالميًّا على النفوذ والقيادة والزعامة، وتدفع الشعوب ثمن صراعاتها..
ولا سبيل لأمن واستقرار مستتب في بلدنا إلا بخروج القوى المحتلة المتصارعة كافة منه، وترك شعبنا يعالج جراحه ومشكلاته من دون تدخل في شؤونه، فيكفيه ما أصابه وما أصاب وطنه من كوارث على أيدي المعتدين والمتصدين للمعتدين، والإرهابيين ومن يكافحون الإرهاب.. فالكل يقتل ويدمر وينهب ويفرٍّ ويجلب الكوارث ويسعى لتمكين ذاته واحتلاله وقواته وقواعده، ولسلب الشعب والوطن الحرية والاستقلال والسيادة والثروات.
ومن المعروف أن خروج تلك القوى بحرب تدخلها وتزج فيها تحالفات دولية، أمرٌ مستبعد وليس في مصلحة أحد، لا سيما في ظل التنازع الدولي المحتدم في مناطق من العالم على رأسها منطقتنا، وفي ظل توازنات وحاكمية عسكرية دولية تجعل المواجهات الحربية خطرًا على خائضيها وعلى الكثير من بلدان العالم وشعوبه.
وفي هذا المناخ يبقى التفاهم الدولي مشلولًا أو معطلًا.. ويبقى انقسام الشعب السوري مرتبطًا بالصراعات الدولية، الأمر الذي يحول دون جعل هذه القضية قضية وطنية وطرحها بجدية على الأطراف المعنية والدولية، بوحدة موقف ورأي وصف سوري، وتصميم على الخلاص من الأوضاع الكارثية التي يعيشها الوطن والشعب.
إنَّ من البدهي أن هذا المخرج من هذه الأزمة/ الحرب/الكارثة لا يوضع بجدية أمام الدول والرأي العام العالمي، ولا يكون له وزن وحضور وتفعيل إيجابي إلا بمصالحة سورية ـ سورية عالية المستوى من حيث الثقة المتبادلة والمسؤولية الوطنية والقومية والأخلاقية، مصالحة تقوم على التسامح وتغليب المصالح العليا للشعب والوطن والأمة، وعلى النظرة البناءة إلى مصلحة الأجيال ومستقبل البلاد، وتسفر عن توحد الشعب السوري بكل فئاته على مطلب خروج القوى الأجنبية كافة من وطنه، وتركه يعالج قضاياه بحرية ومن دون أدنى تدخل خارجي.. ووضع هذا الهدف هو الأول والثاني والثالث وال.. والنهائي، ووضع هذا المبدأ والمسعى والتطلع أمام العالم وهيئته ومؤسساته في حيز حقه في تقرير مصيره بحرية في أرضه، وهو صاحب الدولة المستقلة ذات السيادة المعترف بها دوليًّا والمؤسِّسة لهيئة الأمم المتحدة التي من حقها أن تكون أرضها محررة من كل وجود أجنبي لأية قوة أجنبية.. وكل الذي فرضته الحرب وفرضته القوة هو وضع قاهر ينبغي ألا يحكم سوريا والسوريين وألَّا يتحكم بها وبهم.. ذلك أن ما تعرض له الشعب في سوريا كان نتيجة تآمر وتدخل قوى قاهرة لم يكن باستطاعته منع حدوثه.. إن قوانين الحرب ليست قوانين سِلم، وقوانين الحروب لا تديم سلمًا وأمنًا ووفاقًا، ولا تنشئ استقرارًا وازدهارًا يعود على الشعوب والأوطان بالخير، لأن الحروب تتجدد والضعفاء يستهدفُهم الأقوياء ويستبيحون بلدانهم ويحولونها إلى ميادين للصراعات والقوى المُتحاربة.

? علي عقلة عرسان
كاتب وأديب سوري
[email protected]