[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/alibadwan.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]علي بدوان[/author]

لقد واجه العمال الفلسطينيون في إسرائيل، صعوبات كبيرة، وفق تسلسل زمني في ظل التحديات الجسيمة التي واجهها العمال الفلسطينيون ــــ ولا يزالون ــــ إثر تفشِّي وباء كورونا المستجد.
تم اكتشاف أولى الإصابات بـ(فيروس كورنا) في فلسطين، في مدينة بيت لحم بتاريخ 5 آذار/مارس 2020، ومساء الجمعة 6 آذار/مارس 2020، أعلن رئيس الوزراء الدكتور محمد أشتية حالة الطوارئ استنادًا إلى مرسوم رئاسي أصدره الرئيس محمود عباس يقضي بإعلان حالة الطوارئ، لمنع تفشي فيروس كورونا. لكن الطرف “الإسرائيلي” وضع معادلة فحواها “كورونا والعمال الفلسطينيين... الاقتصاد أولًا”.
في الوقت نفسه، قرر جيش الاحتلال “الإسرائيلي” يوم الجمعة الموافق 6 آذار/مارس 2020 بفرض إغلاق كامل على الضفة الغربية، بسبب “عيد البوريم” (المساخر)، وقد “تقرر إغلاق كامل أراضي الضفة الغربية ومعابر قطاع غزة بعد أيام من التاريخ السابق. ومنع دخول العمال إلى “إسرائيل” قبل انتشار الوباء في الضفة الغربية، أما عند تفشي وباء كورونا في الضفة الغربية، فأصبحت أولويات “إسرائيل” مختلفة، وارتفعت الأصوات التي تطالب بدخول العمال ومبيتهم في “إسرائيل” حتى لا تتوقف عجلة الاقتصاد الذي يُشكّل العامل الفلسطيني طاقة مهمة فيه، في قطاعات حيوية مثل البناء، والتجارة، والفندقة، والصناعات التحويلة، والزراعة، وغيرها.
إذًا، وخلال أزمة (وباء كورونا)، وفي ظل إعلان دولة فلسطين حالة الطوارئ، كان العمال في حيرة من أمرهم، إغلاق شبه كامل تقوم به المؤسسة الفلسطينية الرسمية، مع تعطيل غالبية المرافق من حضانات ورياض أطفال ومدارس وجامعات ومنح موظفي القطاعين العام والخاص إجازة مدفوعة الأجر، أما العمال فكانوا مشغولين بسؤال العمل والعيش وسط جدل شعبي، إثر ذلك أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني أن على العمال الفلسطينيين ترتيب مبيتهم، وأعلن منع التنقل بين المحافظات، مطالبًا العمال العاملين في الداخل المحتل عام 1948، بعدم التوجه إلى الداخل، حرصًا على سلامتهم وسلامة عائلاتهم وشعبهم عقب تسجيل معدلات إصابة مرتفعة بين اليهود، وخصوصا في المستعمرات.
إذًا، العمال الفلسطينيون، من الضفة الغربية، كانوا الضحية الأولى، وبدؤوا في التسلل ذهابًا وإيابًا من الضفة الغربية وإليها، حاولت السلطة الوطنية الفلسطينية ضبط تحركات العمال خوفًا عليهم ومنهم في ما يتعلّق بانتشار العدوى، فقام المتطوعون في لجان الطوارئ في البلدات والقرى المحاذية للجدار، بحراسة الثغرات الموجودة فيه، بالتنسيق مع رجال الأمن، والذين لا يُسمح لهم بالاقتراب من الجدار وفقًا لاتفاقيات أوسلو.
الحكاية بدأت فصولها، عندما أعلن وزير الأمن “الإسرائيلي” السابق في الوزارة الماضية، نفتالي بينيت، في 18 آذار/ مارس الماضي 2020، عن سماحه للعمال الفلسطينيين، بالبقاء والمبيت في “إسرائيل” لفترة طويلة، في قرارٍ غريبٍ بعض الشيء، وبناءً عليه سُمح لعمال الزراعة الفلسطينيين، البقاء لمدة شهر متواصل، فيما سُمح لعمال البناء المكوث لفترة شهرين متتاليين في “إسرائيل”، شريطة عدم رجوعهم إلى الضفة الغربية خلال فترة عملهم في الداخل المحتل عام 1948.
للوهلة الأولى يبدو الأمر جيدًا، بالنسبة للعمال الذين حُرموا من هذه الإمكانية، منذ عام 1993، بعد اتفاقية أوسلو، فمع توقيع الاتفاقية أصبح دخول العمال إلى الداخل مرتبطًا بالحصول على تصريح خاص أطلق عليه العمال “البطاقة الممغنطة”، و”المحظوظ” بين العمال، هو من وافقت “إسرائيل” بعد فحص أمني مُشدَّد له ولعائلته ولماضيه، أن تعطيه هذه البطاقة. ولم يُسمح حينها بالبقاء في “إسرائيل”، سوى لقلة نادرة اقتصرت على كبار السن، ولفترة قصيرة لا تصل لأشهر.
إن السماح من قبل الوزير “الإسرائيلي في حينها نفتالي بينت، بدخول نسبة من العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية، ومن محافظة جنين بشكل خاص، دفع المحافظة لاتخاذ مجموعة الطرق الوقائية والتدابير لحماية العمال، فتم منذ البداية وعندما خرج العمال للعمل في “إسرائيل” فرز العمال بقوائم دقيقة تشمل أرقام هواتفهم، وأماكن عملهم، والذي يبلغ عددهم في محافظة جنين حوالي 12 ألف عامل. و(هناك) فئتان أساسيتان: الأولى هي فئةُ عمال البناء، والخطر على هذه الفئة ومنها، أقل من (العمّال) الآخرين، نظرًا لأن عملهم يقتصر فقط داخل الورشات، فهم لا يخالطون الشارع الإسرائيلي وليسوا بتماس يومي معهم، إلا في حال شراء العامل للطعام وما إلى ذلك، لذا فإن احتمالية أن تُصاب هذه الفئة أقل من احتمال أن تُصاب غيرها”. و”الفئة الثانية هم عمال المطاعم و”السوبر ماركت” والملاحم والمسالخ، ومحطات الوقود، والمخابز... إلخ”. فكان القلق على سلامة أفراد هذه الفئة لأنهم على علاقة يومية واحتكاك يومي مع الزبائن، فطالت السلطة الوطنية الفلسطينية بعودتهم ليتم فحصهم وعلاجهم بشكل مجاني، إذا ما أُصيبوا بالعدوى.
لقد واجه العمال الفلسطينيون في “إسرائيل”، صعوبات كبيرة، وفق تسلسل زمني في ظل التحديات الجسيمة التي واجهها العمال الفلسطينيون ــــ ولا يزالون ــــ إثر تفشِّي وباء كورونا المستجد.
وفي ظل حالة الطوارئ التي فرضتها “إسرائيل” لمواجهة أزمة كورونا، حين أغلقت جميع الحواجز بينها وبين الضفة الغربية المحتلة، وبعد أن أتاحت في 18 آذار/مارس 2020، لعدد كبير من العمال، الدخول إلى البلاد، بشروط فرضتها سابقًا، وفي إتاحة سلطات الاحتلال، للعمال الفلسطينيين، البقاء، حدث لم يحدث منذ اتفاقية أوسلو عام 1993، وهو حدثٌ ألغى “النظرية الأمنية” التي روّجت لها “إسرائيل” خلال أعوام طوال، إذ لم يعُد العمال الفلسطينيون يُهددون “أمن الدولة”، بشكل فجائي. وطالبت السلطة بتأمين مأوى ملائم للعمال، يقيهم من البرد والفيروس المتفشي في إسرائيل، بالإضافة إلى المطالبة بتوفير الرعاية الصحية لمن يصاب بــ(فيروس كورونا) منهم، إلا أن “إسرائيل”، قامت بإغلاق جميع الحواجز التي تفصلها عن الضفة الغربية المحتلة، بعد أن أخذت حاجتها من الأيدي العاملة. وبعد أقل من أسبوع تبين أن “إسرائيل” لم تلتزم باتفاقها مع السلطة الفلسطينية، إذ لم يجد العمال مأوى، لذا أُجبروا على افتراش الأرض والحدائق والمنشآت والدفيئات الزراعية، وخلال أقل من أسبوع كذلك، أُلقي بعاملين فلسطينييْن، على حاجز (بيت سيرا)، فقط لأنه ظُن أنهما مُصابان بــ(فيروس كيرونا). وقسم كبير من العمال، والذين خرجوا للعمل في “إسرائيل” على مضض، بعد أن قام أرباب عملهم، بإلغاء تصاريحهم، في حال عدم حضورهم إلى أماكن عملهم، قرروا العودة يوميًّا إلى منازلهم في الضفة الغربية المحتلة، وبما أن الحواجز مغلقة، لم يجدوا سبيلًا سوى التسلُّل يوميًّا عبر فتحات في جدار الفصل العنصري.

علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك
[email protected]