خلود بنت ناصر الوهيبية:
الأمراض المعدية بمفهومها العام هي الأمراض التي تنتقل من شخص إلى آخر أو إلى عدة أشخاص، ويكون السبب فيها أحد الكائنات الحية الدقيقة منها الفيروسات، وبلا شك تشكل خطرا على المجتمعات البشرية، بذلك لم تغفل حكومتنا الرشيدة بنظرتها الثاقبة واستشرافها للمستقبل بسن التشريعات التي تحمي من خلاها مواطنيها والمقيمين على أرضها من شر هذه الأمراض، حيث صدر القانون رقم 8/‏‏73 بشأن الأمراض المعدية، ثم حل محله القانون رقم 73/‏‏92 بشأن مكافحة الأمراض المعدية، وهو الذي ما زال ساريًا حتى اللحظة ومحور حديثنا في هذه الزاوية.
حيث حوى قانون الأمراض المعدية في طياته عشرين مادة مرفقا بها جدول يحدد الأمراض المعدية مقسمة إلى ثلاثة أقسام؛ يحتوي كل قسم على عدد من الأمراض المعدية، نجد أن فيروس كورونا المستجد قد ورد في القسم الأول تحت مسمى المتلازمات، بالتالي فإن نصوص القانون تسري على ما تواجهه الدولة من ظروف استثنائية خلال هذه الفترة، ومن أهم ما ورد في هذا القانون هو تحديد المسؤول عن الإبلاغ في حالة إصابة شخص أو مجرد الاشتباه بإصابته بأحد الأمراض المعدية وذلك خلال 24 ساعة، وذلك بالترتيب المذكور في المادة (3) متضمنا البلاغ اسمه الثلاثي واسم قبيلته أو لقبة ومحل إقامته وعمله، وذلك لتمكين الجهات الصحية من الوصول إليه، وتقع المسؤولية أيضا على شخص المصاب أو المشتبه به وذلك بالتوجه فورا إلى أقرب مؤسسة صحية لإجراء الفحص الطبي وتلقي العلاج والمشورة وأيضا التوعية بمخاطر المرض وطرق انتقاله والالتزام بالتعليمات، ويحظر عليه القيام بأي سلوك يؤدي إلى نقل العدوى إلى الغير، ومقابل ذلك يقوم بتزويد المؤسسة الصحية بجميع المعلومات والبيانات الخاصة بالأشخاص المخالطين له خلال الفترة السابقة على مرضه، وهذا ما نظمته المواد (5) مكررا – (5) مكررا (7). أما بالنسبة للأشخاص القادمين من خارج السلطنة وعلى علم بإصابتهم أو مشتبه بهم أوجب القانون على الشخص المصاب أو المشتبه به إبلاغ سلطات المنافذ الحدودية بذلك فور وصوله إليها وتزويدها بكل ما يلزم من مستندات تتعلق بحالته الصحية. وأجاز القانون أيضا لوزارة الصحة إخضاع القادمين للفحص الطبي للتأكد من خلوهم من المرض، واتخاذ الإجراءات والتدابير المناسبة بما في ذلك عزلهم، وحجز أمتعتهم ومتعلقاتهم الشخصية في الأماكن التي تحددها الوزارة، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة، وهذا ما هو معمول به حاليا في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها أغلب دول العالم.
يتضح مما سبق أن المشرع أعطى وزارة الصحة العديد من الصلاحيات في ظل تفشي أحد الأمراض المعدية الوارد ذكرها في الجدول الملحق بما في ذلك عزل المصابين والمشتبه بهم وفق ما تم ذكره آنفا، وأيضا أجاز لها أخذ العينات اللازمة من المصابين أو المخالطين لتحليلها والكشف عن أي أمراض معدية محتملة، ودخول المساكن للبحث عن المرضى بأحد الأمراض المعدية أو لإجراء التطهير أو التطعيم اللازم أو حتى الكشف عن المخالطين وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وعند الحديث عما تمر به السلطنة حاليا من تفشي وباء فيروس كورونا المستجد قامت السلطنة ممثلةً بوزارة الصحة والجهات المختصة بما يلزم للحد من ذلك، حيث قامت بعزل المصابين أو المشتبه بهم إما في المؤسسات الصحية أو في المنازل وذلك بما يندرج تحت مسمى الحجر المنزلي، وأيضا عزل جميع القادمين من خارج السلطنة وإلزامهم للخضوع للفحوصات اللازمة وضرورة الالتزام بضوابط وإجراءات الحجر.
ونظرًا لما يتسم به هذا المرض وغيره من الأمراض المعدية من خطورة وسرعة انتشار وتهديد لحياة السكان، رتب المشرع على مخالفة أحكام هذا القانون جريمة جنائية تصنف من قبيل الجنح، حيث أكدت التعديلات الجديدة على بعض أحكام قانون مكافحة الأمراض المعدية وفق المرسوم السلطاني رقم 32/‏2020، على معاقبة كل من لم يقم بالإبلاغ عن مرض مُعدٍ طبقا لأحكام القانون بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، ولا تزيد على سنة واحدة، وبغرامة لا تقل عن ألف ريال عماني، ولا تزيد على عشرة آلاف ريال عماني، أو بإحدى العقوبتين، كما قضت التعديلات أيضا بمعاقبة كل من يخالف حكما من أحكام هذا القانون أو القرارات الوزارية المنفذة له بالسجن مدة لا تقل عن شهر واحد، ولا تزيد على سنة واحدة، وبغرامة لا تقل عن خمسمئة ريال عماني، ولا تزيد على خمسة آلاف ريال عماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وأضافت في كلتا المادتين أنه في حين الحكم على الأجنبي بعقوبة مقيدة للحرية وجب الحكم عليه بإبعاده عن البلاد.
نستخلص من ذلك أن المشرع العماني شدد العقوبة حول كل من تراخى عن الإبلاغ أو خالف أحكام هذا القانون والقرارات الوزارية المنفذة له، بما في ذلك مخالفة إجراءات الحجر المنزلي وعدم التقيد بضوابط السلامة العامة بما فيها ارتياد الأماكن العامة، أو مزاولة المهن المحظورة خلال هذه الأزمة، وغيرها من المخالفات حول ما يتم إصداره من قرارات من قبل اللجنة العليا والجهات المختصة.
وفي ظل انطلاق بعض الإشاعات التي تهدد وتمس الأمن الصحي الذي يعد ركيزة أساسية من ركائز النظام العام، ودورها في نشر الخوف والهلع في أوساط المجتمع، أكد الادعاء العام على دوره بضبط المخالفين، حيث يعد ذلك جريمة مؤثمة بنص المادة (18) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وتصل العقوبة فيها إلى السجن 3 سنوات وغرامة 3000 ريال عماني.
بذلك نؤكد على أهمية الالتزام بكافة التعليمات والتوجيهات والقرارات الصادرة من الجهات الرسمية، والابتعاد كل البعد عن الإشاعات التي لا تصب في مصلحة الوطن والمواطن، والتي قد تعرض صاحبها أو ناقلها إلى المساءلة الجنائية ـ كما تم ذكرها سابقا ـ حيث إن الصحة مسؤولية مشتركة ما بين الحكومة والأفراد.