د.خلفان بن محمد المبسلي:عشنا في عالم مليء بالعجائب والمصادفات والتضاد، مشحوناً بأقطاب سالبة لربما تنفجر بين برهة وضحاها سواء بين الآلة والبشر أو بين الآخر والآخر، فرأينا من تطاول في البناء، وامتلك الأموال وعمّر البناء في الأرض يطير بين مدن العالم بكل يُسرٍ وقت ما يشاء ويرغب، وفي المقابل من لا يملك قوت يومه ولا فراش نومه ولا بيت يضمه ولا يأويه، نماذج غريبة ومتنوعة عشناها قبل بلوغ العقد الثاني من الألفية الجارية، كما أن ما نحتاجه من مستلزمات تكنولوجية أو غذائية تصلنا مصنعة بخليط من المواد الكيميائية والملوثة والمواد الملونة والمضافة والمغشوشة كانت متوافرة في أسواقنا وفي المتناول كما تواجد ما يقابلها ويوازيها من مواد عضوية لا يقبل عليها غير ذوي الأموال فحسب، أما العاديون فيقبلون على التلوين والمضاف والمحفوظ والمغشوش هذا هو الديدن ـ آنذاك ـ ولا زال المسلسل مستمراً والحياة تدور بأقطابها الموجبة والسالبة بين رحى البشرية.أصبحنا اليوم نفتش ماذا نحتاج..وماذا نريد؟! وباتصال هاتفي أو بتواصل (واتسبي) أو بريد الكتروني نحوّل الأموال حول العالم ونشتري ما لذَّ وطاب ونمتلك آخر صيحات العطور والتقنية والمستلزمات والكماليات هذا بالنسبة للمقتدرين وغيرهم ينتظرون حتى تحسن عليهم الشركات الموردة هل سيبقى لهم من البضاعة ذات الجوة العالية؟ وهذا ديدن الحياة وفطرتها غير السليمة حين نباعد بالتساوي والتملك بين الفرد وجاره حين فقد التوازن بين العلاقات المجتمعية حتى أنشأنا طبقات كبرى ومخملية وبراجوازية وعددنا الأنماط فظهرت لنا أنماط في الحياة منها ديكتاتورية وديموقراطية وفوضوية ووسطية..وغيرها من الأنماط التي أوجدت الفروق الدالة إحصائياً بين فلان وابن عمه علان..! وعلى أثر التعددية والتعقدية غاب التماسك وفقد التوازن، فتجمدت الفوارق بدرجة تجميد تجاوزت مبردات الصين.وإن سألتموني عن أطفال العصر أجيبكم بأنهم اختفوا خلف شمس التكنولوجيا فامتلك كل منهم هاتفاً نقالاً يبحث عن كل شيء فيه ويتنافس مع جاره أو ابن عمته عن من يمتلك الأحدث فبعض الأمهات بتن محاميات يسيطرن على وضع الشراء والدفاع والذود عن ممتلكات الطفل الذي يجب أن ينافس بها أبناء المجتمع ويرهق بها الجيوب على حساب قيم تنشئة الأطفال ومبادئها فكدنا في المجالس لا نرى طفلاً إلا ويمتلك هاتفاً دون أن يعيرنا آذاناً صاغية في زيارتنا أو حديثنا وغيره، فعاشت الأسر في صمت مطبق لا يتبادلون الأحاديث إلا ما ندر تلك التي يفكرون فيها بالشراء والتغير والبرستيج والايتيكيت فعاش الكبار في وحدة قاتله جراء تلك السلوكيات لدرجة أن مجلس الشورى يقرأ اليوم ضرورة إيجاد قانون للكبار.كنا ننام في صحراء مفتوحة تحت سقف السماء نتنافس من يسبق في عد نجوم مجرة درب التبانة أو من يقيس المسافة بين القمر وعطارد فننام نحلم بغد أجمل تحت ظلال أشجار مزرعتنا الوارفة واليوم ننام على وقع أصوات الطيران تغدو خماصاً وتروح بطاناً، ثم نصحو على وقع مصيبة وقعت في البحر حين القت السفينة الفلانية طنّاً من مخلفات النفط في البحر الفلاني أو نصبح على خبر نفوق أطنان من الأسماك وبسبب المصيبة الأولى أو نسمع عن تلوث البحار والشواطئ فأصبحت مجردة من المارة والمشاة لأسباب كثيرة منها تطاول العمران في شواطيئها أو تلوث أراضيها بالمخلفات وغيره فبراميل المخلفات تئنُّ اليوم تحت وطأة الرمي الجائر لمخلفات أثاث المنزل ولبقايا الأكل ولعدد مخلفات صناديق الهدايا أو عدد لعب الأطفال القديمة أو الأحذية المستخدمة التي باتت لا تتناسب حالياً أو مخلفات الملبوسات التي تبكي منها خزانات الغرف فهل سيحتمل البرميل (درام الكشرة) بؤر الفساد المنتهية الصلاحية والمرمية على أحضانه..؟.كل تلك الفوضى التي عشناها خلال الحقبة الماضية والاشكاليات والتناقضات والتصارع هل سينتهي مع وجود فيروس كورونا الجبار والعملاق الذي أجبرنا على الاختباء بهلع من هيئته او طرائق انقضاضه المروعة والتي ترتعد منها الفرائض وتهلع منه الأجساد حينما يكسر شوكتك الجبارة ويخضعك الى موت بطيئ يخطف منك بريق الحياة وإن رحمك تنجو منه برحمة الله ولطفه فبدأنا بعد ظهور كورونا المستجد ننفض غبار الذكريات الأليمة ونفكر كيف كنا والعالم نعيش..؟ وبدأنا في تنظيف قلوبنا واستبدلنا العظمة بالتواضع فأجبرنا هذا الفيروس أن نلزم بيوتنا لنجلس بمحاذاة أسرنا الصغيرة لنستمع الى اهتمامات الصغار وأمنياتهم وماذا يرغب الكبار وكيف نعيش الحياة ببساطتها وحلاوتها بين الجار وجاره وبين الأخ وأخيه في الأسرة الواحدة وبدأنا نفكر في الإنتاج فكل أسرة تعايشت مع الواقع وانتجت فكرة جميلة كما انتجنا مضادات لهذا الفيروس فتلاشت سلوكيات الحقد والحسد والغيرة بين أوساطنا لتلد لنا وسط هذا الزخم سلوكيات أخرى أكثر تقارباً وتآلفاً وتراحماً فيما بيننا فهل كنا نحتاج فعلا لمثل هذا الفيروس ليوقظنا من سباتنا العميق؟ هل كنا نحتاج الى فيروس ليعلمنا سلوكيات الحياة السليمة؟ هل كنا نحتاج لفيروس ليشنف آذاننا في الاستماع الى متطلبات أبنائنا وزوجاتنا؟ ومئات من الهلهلات تتعلق بالحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة والحفاظ على حياتنا من الأذى والطرقات والحفاظ على قيمنا وعاداتنا؟ فهل ستتحقق أحلام الصغار الجميلة..؟ وهل سترى النور تلك الامنيات العظيمة والخالدة؟ وهل سينتهي عالم التضاد؟ لنحيا بوئام وسعادة وسلام.[email protected]*