الدكتور سالم الفليتي:اولا: تمهيد :إذا كان الأصل أن القضاء ـ وهو مظهر من مظاهر سيادة الدولة ـ الطريق العادي لفض المنازعات وبمختلف انواعها التي تثور بصدد العلاقات الخاصة والعامة على حد سواء. فإن الدولة بما لها من سلطة تستطيع أن تعترف لبعض الهيئات غير القضائية بسلطة الفصل في بعض المنازعات التي تدخل اصلا في نطاق الولاية القضائية وذلك متى توافرت شروط معينة. كما هو الحال في لجان اختصاصات التوفيق والمصالحة بتسوية أي نزاع وسواء أكان موضوعه مدنيا أو تجاريا....ثانيا: اختصاصات لجان التوفيق والمصالحة:تنص المادة (4) من قانون التوفيق والمصالحة رقم (98/2005) على أنه: تختص اللجان بتسوية اي نزاع ـ قبل اقامة دعوى بشأنه الى القضاء ـ بطريق الصلح بين أطرافه سواء أكان موضوع النزاع مدنيا أو تجاريا أو متعلقا بمسألة من مسائل الاحوال الشخصية.فما مفهوم عقد الصلح ؟ وما هو نطاقه ؟ وهل يشترط وجود وكالة خاصة لصحة انعقاده في حالة إنابة شخص عن أحد أطرافه؟ هذه الاسئلة وغيرها نجيب عليها في مقالنا هذا بشئ من الإيجاز.1: مفهوم عقد الصلح:عرفت المادة (504) من قانون المعاملات المدنية عقد الصلح علي انه "الصلح عقد يحسم الطرفان بمقتضاه نزاعا قائما او يتوقيان نزاعا محتملا وذلك فيما يجوز التصالح فيه" ويسير القضاء على النهج ذاته، فتعرف المحكمة العليا الصلح في الطعن رقم (27/2015) شرعي بأنه: "الصلح عقد تسري عليه احكام العقد الأكثر شبهآ به من حيث صحته والآثار المترتبة عليه وبناء عليه يشترط فيه توافر اركان العقود وهي التراضي والمحل والسبب، ويشترط في المحل أن يكون معينا تعيينا نافيا للجهالة".من خلال التعريفات السابقه يتبين لنا اكثر أن لعقد الصلح ركيزتين هما: الاولى: لابد لكي ينعقد الاختصاص للجان التوفيق والمصالحة ان يكون هناك ـ فعلا ـ نزاع قائم أو على الاقل نزاع محتمل الوقوع. وعلى هذا اذا لم تكن تلك اللجان امام أي حالة من الحالتين فلا ينعقد لها اختصاص ما. للتدليل علي ذلك نأخذ مثالا: "نزول المؤجر للمستأجر عن بعض الأجرة غير المتنازع فيها حتى يتمكن المستأجر من الوفاء بباقي الأجرة المستحقة".الثانية: يستلزم الأمر ايضا ان تتوافر النية لدي المتصالحين أي أن يقصد الطرفان بالصلح حسم النزاع القائم بينهما أو المحتمل وقوعه، أما ان يتعهد احدهما للطرف الآخر على حل التنازع بشروط معينة، فهذا الأمر لا يعد صلحا لأنه لا ينهي النزاع".ثانيا: النطاق الزمني والموضوعي للجان التوفيق والمصالحة:1: النطاق الزمني:المشرع العماني ـ وفقا لنص المادة (4) من قانون التوفيق والمصالحة يحدد النطاق الزمني لإختصاصات لجان التوفيق والمصالحة في تسوية أي نزاع ـ قبل إقامة دعوى بشأنه الى القضاء. ومعنى ذلك ان يد هذه اللجان تغل عن إقامة عقد صلح طالما رفع بشأنه دعوى قضائية.ولا نتفق مع اتجاه المشرع في هذه الجزئية ونرى من المناسب أن يعيد المشرع صياغة المادة (4) بحيث تتيح للجان التوفيق والمصالحة تسوية أي نزاع قائم أو محتمل طالما توافرت بشأنه المحددات القانونية لتكوينه.ونقترح أن تكون على النحو الاتي: تختص اللجان بتسوية أي نزاع قائم أو محتمل بطريق الصلح بين أطرافه سواء كان موضوع النزاع مدنيا او تجاريا او متعلقا بمسألة من مسائل الاحوال الشخصية.ولكنه في المقابل ـ ما يثلج صدورنا ـ أن المشرع وهو يحدد النطاق الزمني لاختصاصات لجان التوفيق والمصالحة يوجب إستنادآ والمادة ( 12) من القانون ذاته على الموظفين بأمانات سر المحاكم الإبتدائية التي تنشأ في دائرة إختصاصها لجان التوفيق والمصالحة ان يعرضوا على المدعين أو ممثليهم قبل قيد صحف الدعاوى تسوية النزاع معهم إلا أنه ومع هذا الواجب فإنه تتلاشي أهميته بعد ان أصبح تسجيل الدعاوى إلكترونيا.2: النطاق الموضوعي لاختصاصات لجان التوفيق والمصالحة:منح المشرع استنادا ونص المادة (4) من قانون التوفيق والمصالحة للجان التوفيق والمصالحة بتسوية اي نزاع وسواء اكان هذا النزاع مدنيا او تجاريا او متعلقا بمسالة من مسائل الأحوال الشخصية.وبالرجوع الي القواعد العامة لعقد الصلح نجد ان المادة (504) من قانون المعاملات المدنية التي تحدد النطاق الموضوعي لعقد الصلح بقولها "....فيما يجوز التصالح فيه". وبالتالي فإنه يتقرر بطلان عقد الصلح متى انطوى على المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية او الاهلية على اعتبارها من النظام العام. ننصح القارئ الرجوع في هذا الشأن الي كتب الفقه وأحكام القضاء.ثالثا: هل يشترط وكالة خاصة لصحة عقد الصلح ؟تجيب على هذا التساؤل المادة (677) من قانون المعاملات المدنية بقولها: "اذا كانت الوكالة عامة جاز للموكل مباشرة المعاوضات والتصرفات عدا التبرعات والصلح والإبراء والتحكيم والقرض والأحوال الشخصية مالم يكن مصرحا بها في التوكيل".نائب العميد للشؤون الأكاديميةكلية الزهراء للبنات[email protected]