ناصر بن سالم اليحمدي:
مضى ما يقارب الثلاثة أسابيع على فراق فقيد الوطن الغالي ـ المغفور له بإذن الله تعالى ـ جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ وما زال الدمع العماني ينهمر كالشلالات، والحزن يسكن الوجدان والعقول .. لم لا وقد بنى على أكتافه الطاهرة نهضة عمان الحديثة، وبذل على مدار خمسين عاما الغالي والنفيس من أجل الارتقاء بوطننا الغالي.
بالطبع لو عشنا طوال أعمارنا الماضية والقادمة نعدد مناقب السلطان الراحل ـ رحمه الله ـ وفضله على عمان وأهلها فلن تكفينا مفردات لغتنا الجميلة ولغات العالم أجمع في ذلك، ولكن عصرنا هذا الذي نعيش فيه يشهد سباقا محموما في التقدم والتكنولوجيا الحديثة تجعل كل دولة في تفكير دائم في كيفية ملاحقته ومواكبته حتى لا تتخلف عن الركب وهو ما يجب أن نتنبه له .. فمسيرة النهضة لا بد أن تستمر في ركاب المجد والعز والمستقبل الآمن المستقر المشرق، وهذا يعد أحد أهم مظاهر الوفاء الذي يجب أن نقدمها لقائدنا الراحل ـ طيب الله ثراه.
إن الشعب العماني بطبعه وفي، ويتجلى ذلك في مواقف كثيرة، إلا أننا لمسناها بقوة مؤخرا في مواقف حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي أعطى المثل والقدوة في الوفاء .. وهذه المواقف بعثت برسائل راحة وطمأنينة للشعب الأبي بأن قائده المفدى على قدر كبير من الأخلاق السامية النبيلة، ويتمتع بجانب حنكته وحكمته بمكارم الأخلاق الرفيعة .. فقد قام جلالته مؤخرا بتكريم الفريق الطبي الذي أشرف على متابعة وعلاج ـ المغفور له بإذن الله تعالى ـ جلالة السلطان الراحل ـ طيب الله ثراهـ وأنعم عليه بعدد من أوسمة الإشادة السلطانية من الدرجة الأولى والثانية، وهي لمحة وفاء نادرة الوجود لا تصدر إلا من نفس كريمة.
ولا ننسى أنه ـ حفظه الله ورعاه ـ في ختام عزاء ـ المغفور له بإذن الله تعالى ـ جلالة السلطان قابوس ـ طيب الله ثراه ـ قام ـ أيده الله ـ مع عدد من أصحاب السمو والمعالي والسعادة وجمع من المعزين بالتضرع إلى سبحانه وتعالى أن يغفر للفقيد الراحل، وأن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والأبرار .. أما خطابه السامي الأول فقد حمل الكثير من معاني الوفاء، حيث وصف حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس ـ رحمه الله ـ بأنه "أعز الرجال وأنقاهم" ثم أكد على الثوابت والأسس التي وضعها السلطان الراحل ـ طيب الله ثراه ـ وأن الدولة العمانية ستسير على ذات النهج القويم الذي رسمه ـ المغفور له بإذن الله تعالى ـ لتستمر مسيرة الخير والبناء .. وهذا قمة الوفاء والولاء، كما أن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ دائما يبرهن على ما يتحلى به من بُعد نظر وإدراك لمقتضيات المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد، لا سيما أن جلالته أحد أعمدة النهضة وركن أساسي فيها، فمنذ فترة طويلة ومن خلال تقلده العديد من المناصب وانخراطه في كنف الاستراتيجيات والخطط التي ترسمها القيادة الحكيمة كان قد اكتسب المبادئ التي تعزز المنجزات وتصونها وتضيف إليها، وهذا بالطبع يطمئننا على مستقبل بلادنا وأولادنا .. لأن النهضة منذ بداياتها وهي تراعي في أولوياتها تطلعات ومصلحة المواطن وكل ما من شأنه تحقيق الاستقرار والأمان له، وهو ما ستظل عليه سياسة السلطنة في قادم الأيام ليؤكد بذلك جلالته ـ أبقاه الله ـ أنه بالفعل خير خلف لخير سلف.
إن مسيرة الوفاء لن تنقطع وستظل مستمرة مع قيادتنا الحكيمة .. وسيظل أبناء عمان الأوفياء خلف القائد المفدى على عهد التفاني والإخلاص باقين .. حفظ الله حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق وأيده بنصره، ووفقه لما فيه خير البلاد والعباد.. إنه مجيب الدعاء.
* * *
زرع تريليون شجرة .. ضرورة حتمية
مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أشار في تقرير له مؤخرا إلى أن حرائق الغابات التي اندلعت في أستراليا واستمرت لأشهر أسهمت في واحدة من أكبر الزيادات السنوية في تركيز ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي للأرض منذ بدء تسجيل البيانات قبل أكثر من 60 عاما، وهذا يفاقم من مشكلة النظام المناخي العالمي ويزيد من ظاهرة الاحتباس الحراري بشكل غير مسبوق، خصوصا أن تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض تخطت الحدود الآمنة.
إن حرائق أستراليا لم تكن الأولى وندعو الله أن تكون الأخيرة، ولكن للأسف معدلات احتراق الغابات تتزايد بصورة ملحوظة العام بعد الآخر وتقضي في طريقها على الأخضر واليابس، فقد تعدى عدد الأفدنة التي احترقت في أستراليا 12 مليونا وحرائق سيبيريا بشمال روسيا في 2019 قضت على ما يقارب 7 ملايين فدان وحرائق غابات الأمازن في 2019 التهمت 2,2 مليون وحرائق كاليفورنيا في 2018 قضت على حوالي مليوني فدان .. وهذه الحرائق وغيرها التي لا يسع المجال لذكرها تدق ناقوس الخطر بشدة لأن تأثيرها على المناخ أصبح يفوق النشاط البشري الصناعي بكثير وتتسبب في تسريع التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض وتزايد معدلات الجفاف وذوبان جليد القطبين، وأصبحت تتكرر كل عام وتزيد من معدل الكوارث الطبيعية، ناهيك عن الدمار والخسائر البشرية والمادية التي تسببها للدولة التي تقع فيها، ويكفي أن التقارير والإحصائيات كشفت عن نفوق أكثر من مليار حيوان جراء حرائق أستراليا الأخيرة.
لا بد أن يتمسك العالم بمبادرة زرع تريليون شجرة التي أطلقها منتدى دافوس السويسري مؤخرا عسى أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، فالأرض بحاجة إلى التنفس والنباتات والأشجار كفيلة بإعادة الأكسجين إلى الغلاف الجوي وسحب ثاني أكسيد الكربون .. وندعو الله أن تؤخذ هذه المبادرة على محمل الجد ولا يكون مصيرها الأدراج والأرفف كتوصيات المؤتمرات السابقة فاستدامة البيئة لم تعد خيارا بل ضرورة حتمية قبل أن نصل لوضع حرج لا يمكن الرجوع فيه.
* * *
مسك الختام
قال تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون".