لا يزال حديثنا عما مضى من العمر لكل من على وجه هذه البسيطة الذين بين موفق طائع بإذن الله إلى طاعة مولاه، وبين جامع للنقيضين، خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم ، وبين من أحاطت به سيئاته، وغلبته خطاياه، ووقفنا عند التوبة النصوح للمن غلبته المعاصي، وحتى يلزم طاعة ربه، ويعود إلى طريقه المستقيم، وعوداً على بدء فمن أهم ما يعينه على ذلك )ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات)، أي: نعم .. نقول له: عليك بملازمة ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات (الموت): فـ(إنه أعظمُ من كل ما نقول، وأبلغ من كل ما نَصِفُ، وأعجبُ من كل ما نقف عليه من دواعي العجب، إنه الموت الذي ينتقل بصاحبه إلى الملأ الأعلى، والذي ذاق طعمه كل من عاش، وسيتذوق طعمه كل حي، فهو الذي نزل به كل موجود، ولذا ففيه من الأسرار، ودواعي التوبة قبله ما ينتهي به أهل الدنيا جميعاً)، فقد أخرج ابن حبان في صحيحه، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(أكثروا ذكر هادم اللذات، فما ذكره عبد قط وهو في ضيق، إلا وسعه عليه، ولا ذكره وهو في سعة، إلا ضيقه عليه). (وحسنه، وضعفه الألباني)، لأن بذكره تنقص النعمة وتكدر صفوة اللذة وذلك مهزل لا محالة.في هذه الحكمة الوجيزة أتم تنبيه وأبلغ موعظة للقلوب الغافلة والنفوس اللاهية بحطام الدنيا والعقول المتحيرة في أودية الشهوات عن هادم اللذات ثم غاب عن ذوي العقول كيف لهوا عن شأن الموت حتى ثملوا بالطعام وعبلت أجسادهم من الشبع من الحرام والبهائم التي لا عقول لها لو قدر شعورها بالموت وسكرته وقطعه عن كل محسوس لمنعها من الهناء من الطعام والشراب بحيث لا تسمن فما بال العقلاء أولي النهى والأحلام مع علمهم بقهر الموت وحسرة الفوت لا يدري بماذا يسر ولا إلى أين ينقلب، فالموت طالب لا ينجو منه هارب فهناك تجلى حقيقة من أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، (فيض القدير 5/ 314) (فلو تدبر المرء في حاله، ولو فتح القلب المقفل، يجد أن طريقه قد أوقد بسراج منير، وأشرقت بالنور جناباته، التى كانت لم تكن تعرف النور، ولامست فؤاده نفحةٌ من نور القرآن المجيد، وهبَّت على أوديةِ نفسه نسمةٌ من نور الله، فإذا سمعتَ صوت الإمام وهو يصلي بك وهو يقرأ بتدبر يلزم نفسك ويملأ قلبك خشوعاً ويملأ عينيك دموعاً).نعم .. يقفَّ عندئذ شعرُ بدنك، ويقشعرّ من جلالها جلدك، ويشتاق للطاعة فؤادك، وتحركت منك كل السواكن، واضطرب بين جنبيك نزغ الشيطان أشد اضطرب، فهرب على فوره وبرئت جراح جسدك التي التهبت فيه بسبب الغفلة، وانهمرت الدموع تسيلُ في شعاب القلوب التي قتلها الظمأ لماء التوحيد الزلال، وأقفرها الجفاف من جراء انجراف طوفان الملذات، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق) (الحديد ـ 16)، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر ـ 17).أليس بهذا الذكر الحكيم تغسل الأوضار وتروي حبات القلب وتُندِّي اليَبَسَ وتُحيي المواتَ، فعند ذاك تذوقُ ما لم تَعهدْ له مَذَاقاً ولا طعماً، وتحسُّ ما لم يكن لك فيه سابقُ معرفةٍ، عسى اللهُ أن ينفع بها سالكاً، ويجنِّب العثار سارياً في الليل البَهيم؛ فتنالنا منه دعوةٌ صالحة تنفعنا في عَرَصات القيامة .. اهـ (انظر كتاب"لمسات بيانية في نصوص من التنزيل) كتاب ص: 9 بتصرف في النص).ولهذا أدرك ذلك الجيل العظيم الذي تربى بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، روي أنَّ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لقي حذيفة بن اليمان يومًا، فقال له عمر: كيف أصبحت يا حذيفة؟ فقال: أصبحت أحبُّ الفتنة، وأكره الحق، وأقول ما ليس بمخلوق، وأصلي بغير وضوء، وأشهد بما لم أره لي في الأرض، ما ليس لله في السماء، فغضب عمر، فمضى حذيفة وتركه، فأقبل عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فرأى أثر الغضب في وجه عمر، فقال له علي: ما يغضبك يا أمير المؤمنين؟!، فقصَّ عليه ما جرى له مع حذيفة، فقال عليّ: صدق حذيفة أليس أنَّه قال أحب الفتنة أصبح يحب المال والولد، قال تعالى:(إنَّما أموالكم وأولادكم فتنة)، ويكره الموت وهو حق، ويقرأ القرآن وهو ليس بمخلوق، ويصلي على النبي (صلى الله عليه وسلم) على غير وضوء، ويشهد أن لا إله إلَّا الله وهو لم يره، وله في الأرض زوجة وبنون، وليس لله تعالى زوجة ولا بنون (انظر كتاب "منار الهدى في بيان الوقف والابتداء"، لعبد الرحيم الطرهوني 2/ 344)، وكن ممن قال فيهم سيدنا بن أبي طالب: إن لله عبادًا فُطـــناطلقوا الدنيا وخافوا الفتنـانظروا فيها فلما علمواأنها ليست لحي وطنـــاجعلوها لُجة واتخـذواصالح الأعمال فيها سفنـا.ينبغي للمسلم أن يخاف الله عز وجل، ولذلك قال سيدنا علي: إن لله عباداً فطنا يعني: أذكياء، جمع فطن، نظروا فيها فلما علموا أي: نظروا في الدنيا، ويقول (صلى الله عليه وسلم):(يا أبا ذر! أحكم السفينة فإن البحر عميق، وخفف الحمل فإن العقبة كئود، وأكثر الزاد فإن السفر طويل، وأخلص النية فإن الناقد بصير)، يعني: أن البلاء كثير، والفتن كثيرة ومتتابعة، يقول فيها الحبيب (صلى الله عليه وسلم):(سوف تأتي الفتن على المؤمن يرقق بعضها بعضاً)، وعندما عاد النبي (صلى الله عليه وسلم) من غزوة بني المصطلق، قال:(ما لي أرى الفتن تتساقط على بيوتكم تساقط المطر) الفتن تتساقط على بيوت الصحابة، فكيف لو أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) مشى مرة في قرانا ومدننا ماذا يقول؟! فقال الصحابة: كيف نتقيها يا رسول الله؟!، فالصحابة أرادوا أن يعرفوا العلاج من الطبيب الذي يشخص المرض، قال: "اتقوها بتقوى الله وكثرة الاستغفار، والتقوى: هي ألا يجدك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك، يعني: أن ربنا سبحانه وتعالى عندما ينظر إليك فلا يجدك في مكان قال لك: لا تقعد في هذا المكان، وعندما يبحث عنك في مجالس العلم، وفي صلاة الجماعة، وفي عيادة المريض، وبإدخال السرور على المسلمين، وفي صلة الأرحام يجدك في هذه المواطن، ويعرّف سيدنا علي ـ بن أبي طالب ـ التقوى ويقول: التقوى: هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل .. اهـ (انظر كتاب "الدار الآخرة" لعمر عبدالكافي 21/ 3)، بترقيم الشاملة آلياً، وهنا يفرض علينا نفسه: كيف أستقيم على طاعة الله تعالى بين كل تلك الشهوات التي تتجاذب الإنسان يمنة ويسرة ، يقول صاحب (التفسير الواضح 2/ 153): ومراحل التوبة الصادقة علم بالذنب وخطره على صاحبه، وحال عند الشخص من ندم على الذنب، وألم في النفس يوجب العزم على عدم العودة، والعمل الصالح الذي يطهر النفس من خب الذنب (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً) (مريم ـ 60)، ذلك الذي مر من الوعظ الصادق والأمر النافع الذي يقتضى المراقبة التامة لله في السر والعلن ذكرى وموعظة حسنة للذاكرين ذوى الألباب والأرواح الطاهرة واصبر.. يا سبحان الله! أمرتنا بالصبر المطلق العام في كل شيء صبر على الطاعة وما فيها من تحمل المشاق، وصبر على الابتعاد عن المحرمات والمنكرات التي تهواها النفس البشرية، وصبر على الشدائد والمصائب والأزمات التي تعترض الإنسان في حياته الخاصة والعامة، واصبر أيها المسلم فإن الله لا يضيع أجر المحسنين الصابرين (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة ـ 153) والله يوفى الصابرين أجرهم بغير حساب.محمود عدلي الشريف[email protected]