تكلمنا في الحلقة الماضية ـ إخوة الإسلام والإيمان ـ عمن هو بين مخافتين من الناس، جمع بين الحسنات والسيئات، وهو معوز إلى من يكون له ناصحاً أميناً، يبحث عن صديقاً حميماً، يطمع في رحمة ربه، راجياً إياه أن يتجاوز عنه فيما مضى، وسائلاً إياه أن يوفقه إلى طاعة دائمة عملاً، ومن أهم الزاد الذي يعينهم على ذلك أن يلزموا الاستغفار، فإنه باب رضا الله تعالى، ويا حبذا لو كان ذلك في أوقات يغفل الناس فيه، وهو قائم يستغفر ربه، راجياً عفوه، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يحافظوا على الصلاة المكتوبة، وأن يداوموا عليها من غير تكاسل ولا انقطاع، وينهل كل منه من النوافل المحبوبة، وقيام فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وقد أجمل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما سبق، فيما روي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَيُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَجْلِسُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى إِلَّا وَالْمَلَائِكَةُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ .. جاء في (المستدرك على الصحيحين للحاكم 1/ 305)، نعم إن المداومة على التطهر من دنس السيئات، وكثرة الخطايا، لاشك هو المعين على تكفيرها، ومغفرتها بإذن الله تعالى، ولم لا وصاحبها مُصِرٌ لحوح، يطرق باب ربه سائلاً إياه أن يتوب عليه، وأن يتجاوز عنه، ففي (صحيح البخاري 8/ 167 برقم 6823) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الصَّلاَةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ: حَدَّكَ) قال:(أخرجه مسلم في التوبة باب قوله إن الحسنات يذهبن السيئات رقم: 2764)، وجاء في شرحه في (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 38/ 43) اِخْتَلَفَ نَظَر الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْحُكْم، فَظَاهِر تَرْجَمَة الْبُخَارِيّ حَمْله عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ وَلَمْ يُفَسِّرهُ, فَإِنَّهُ لَا يَجِب عَلَى الْإِمَام أَنْ يُقِيمهُ عَلَيْهِ إِذَا تَابَ، وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون النَّبِيّ (صلى الله عليه وسلم) اِطَّلَعَ بِالْوَحْيِ عَلَى أَنَّ الله قَدْ غَفَرَ لَهُ لِكَوْنِهَا وَاقِعَة عَيْن، وَإِلَّا لَكَانَ يَسْتَفْسِرهُ عَنْ الْحَدّ وَيُقِيمهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَيْضًا: فِي هَذَا الْحَدِيث إِنَّهُ لَا يَكْشِف عَنْ الْحُدُود بَلْ يَدْفَع مَهْمَا أَمْكَنَ، وَهَذَا الرَّجُل لَمْ يُفْصِح بِأَمْرٍ يَلْزَمُهُ بِهِ إِقَامَةُ الْحَدّ عَلَيْهِ , فَلَعَلَّهُ أَصَابَ صَغِيرَة ظَنَّهَا كَبِيرَة تُوجِب الْحَدّ فَلَمْ يَكْشِفهُ النَّبِيّ )صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ, لِأَنَّ مُوجِب الْحَدّ لَا يَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَفْسِرهُ إِمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَدْخُل فِي التَّجْسِيس الْمَنْهِيّ عَنْهُ, وَإِمَّا إِيثَارًا لِلسَّتْرِ, وَرَأَى أَنَّ فِي تَعَرُّضه لِإِقَامَةِ الْحَدّ عَلَيْهِ نَدَمًا وَرُجُوعًا .. إلخ، وخلاصة الأمر: أن الله تعالى غفور رحيم، رحمته لا تنفد، وفضله لا يعد ، ففي (مسند أحمد، ط: الرسالة 32/ 396) عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)، يقول المحقق: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر الحديث (19529)، إلا أن شيخ أحمد هنا: هو عفان وهو ابن مسلم الصفار، فينبغي أن لا ينقطع الرجاء ولا الطمع في رحمة الله تعالى وحسن الظن به تعالى، فإن التوبة عما مضى من العمر، هدف ومطلب يسعى إليه كل مؤمن، مسلماً الأمر لله صاحب الأمر، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَة) (صحيح البخاري 9/ 121 برقم: 7405، وهو عند مسلم وغيره)، نسأل الله تعالى المغفرة لذنوبنا، وأن يبارك في حسناتنا، 3 ـ من كثرت معاصيه: هناك من الناس من تتجاذبه شهوات الدنيا وملذاتها، خاصة إذا كان في عنفوان شبابه، وفتوته وقوته، فيقصر في جنب الله، يغفل عن صلاته أو يتكاسل عنها، يقلل الصدقات ويجنح إلى الشهوات، وهنا نقف في طريقه حتى نمنعه من أن يواصل طريق غفلته، ويطيع وسوسة شيطانه، نسوق إليه قول الله تعالى في الحديث القدسي في قوله (عليه الصلاة والسّلام):(إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابن عمر والحديث صحيح)، وعن ابى سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن الشيطان قال: وعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال له ربّه: فبعزتي وجلالي لا أبرح اغفر لهم ما استغفروني) رواه احمد وأبو يعلى (التفسير المظهري 2 ق 2/ 48)، فهنيئاً لك توبتك واستغفارك لمولاك الذي خلقك فسواك، فاغتنم الفرصة قبل أن يأتيك الأجل، ووقتها ينقع الأمل، واعمل بنصيحة سيدنا نوح ـ عليه السلام، كما حكى القرآن الكريم:(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) .. الآيات (نوح 10 ـ 12)، فإذا ما دمت على ذلك فافرح وأبشر فإن الله تعالى أشد فرحاً بك منك، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِاللهِ أَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثَيْنِ: حَدِيثًا عَنْ نَفْسِهِ، وَحَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ:(لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ) (صحيح مسلم 4/ 2103) .. وللحديث بقية.

محمود عدلي الشريف
[email protected]