وقف بنا الحديث ـ إخوة الإيمان والإخلاص ـ عند الزمن المنصرم من أعمار العباد، والناس لاشك فيه على ثلاثة أنواع: 1ـ الطائعين: من الناس من يمن الله تعالى عليه فيوفقه طاعته ويهديه لذكره، ويرشده لينور دربه بخشية مولاه، ويحمي نفسه بسياج تقواه، والله تعالى له خير معين، ومثل هذا مبشر بالفوز العظيم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَتَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) (صحيح البخاري 1/133، صحيح مسلم 2/ 715، .. وغيرهما من الأئمة)، نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من هؤلاء الصالحين ، ومع هذا أهمس في أذنه قائلاً: الزم ما أنت عليه ، واحذر من نفسك ومن الشيطان والهوى ، فإن القلوب تتقلب ، ولذا جاء:عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ:(اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (الأدب المفرد مخرجا ص:237)، وجاء عند غيره، وإذا ما وفقت لطاعة ربك، فاسأل الله الثبات، فإن حاضرك ومستقبلك في غيب الله وعلمه الذي يقول الله تعالى عنه، فلله الحمد على أن جعلنا من المسلين له، والمؤمنين به، والطائعين إياه، والخائفين منه، والراجين فضله، والواقفين على بابه، وهنا أسوق إليك ـ أخي الطائع ـ هذه البشرى القرآنية، الذي جمع بين النقيضين (الطاعة والمعصية): هناك من الناس جمع بين حسنات وسيئات ـ ومن منا بغير ذنب وهذا من طبائع البشر إخوة الإيمان ـ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) (صحيح مسلم 4/ 2106)، ذكر صاحب (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 1/ 132) قَال الطِّيبِيُّ:(لَيْسَ الْحَدِيثُ تَسْلِيَةً لِلْمُنْهَمِكِينَ فِي الذُّنُوبِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللهِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ (صلى الله عليه وسلم) إِنَّمَا بُعِثُوا لِيَرْدَعُوا النَّاسَ عَنْ غِشْيَانِ الذُّنُوبِ، بَلْ بَيَانٌ لِعَفْوِ اللهِ تَعَالَى وَتَجَاوُزِهِ عَنْ الْمُذْنِبِينَ, لِيَرْغَبُوا فِي التَّوْبَةِ, وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ اللهَ كَمَا أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْسِنِينَ, أَحَبَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ الْمُسِيئِينَ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَسْمَائِهِ: الْغَفَّارُ, الْحَلِيمُ, التَّوَّابُ, الْعَفُوُّ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ الْعِبَادَ شَانًا وَاحِدًا كَالْمَلَائِكَةِ مَجْبُولِينَ عَلَى التَّنَزُّهِ مِنْ الذُّنُوبِ, بَلْ يَخْلُقُ فِيهِ مْمَنْ يَكُونُ بِطَبْعِهِ مَيَّالًا إِلَى الْهَوَى, مُتَلَبِّسًا بِمَا يَقْتَضِيهِ, ثُمَّ يُكَلِّفُهُ التَّوَقِّيَ عَنْهُ, وَيُحَذِّرُهُ مِنْ مُدَانَاتِهِ, وَيُعَرِّفُهُ التَّوْبَةَ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ فَإِنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ, فَالتَّوْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بِهِ أَنَّ كُمْلَ وْكُنْتُمْ مَجْبُولِينَ عَلَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ, لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يَتَأَتَّى مِنْهُمْ الذَّنْبُ, فَيَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الْغَفَّارَ يَسْتَدْعِي مَغْفُورًا, كَمَا أَنَّ الرَّزَّاقَ يَسْتَدْعِي مَرْزُوقًا) (تحفة الأحوذي 6/ 317)، وعليه فإذا ما أذنب ذنباً فإن له ربّاً يغفر له، فيسأل الله تعالى أن يتوب عليه فإن الله تعالى يتوب عليه، وعليك ـ قارئي الكريم ـ بتقوى الله تعالى فإنها خير معين على دوام الطاعة ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ،عَنْ رَسُول الله (صلى الله عليه وسلم) فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: (إِنَّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنَ همَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عَزَّوَجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا الله سَيِّئَةً وَاحِدَةً) (خرجه مسلم، حديث رقم: 131، وأخرجه البخاري في كتاب (الرقاق) باب (من همَّ بحسنة أوبسيئة) حديث رقم 6491)، واستعذ بالله تعالى من كثرة السيئات، كما استعاذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ذلك، ففي سنن ابن ماجه ت: الأرنؤوط 3/ 89)، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ: وأخرجه مطولًا ومختصرًا مسلم (868)، والنسائي 6/ 89 ـ 90 من طريق داود ابن أبي هند، بهذا الإسناد، وهو في (مسند أحمد) (2749)، و(صحيح ابن حبان) (6568)، وقد أمر الله تعالى رسوله ولنا فيه القدوة والأسوة، جاء في (التفسيرالوسيط – مجمع البحوث: 4/ 264) قال القرطبي: لم يختلف أحد من أَهل التأويل في أَن الصلاة في هذه الآية يراد بها: الصلوات المفروضة، وخصها بالذكر: لأنها ثانية الإيمان، وإليها يفزع في النوائب .. وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إِذا حزبه أمر فزعَ إلى الصلاة .. اهـ، وقوله تعالى:(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)، هذا التعقيب تعليل للأمر السابق بأداءِ الصلاة، يشير إِلى أن الحسنات وعلى رأسها الصلاة تكفر السيئات وتذهب الآثام، فإِذا حدث من المؤمن انحراف عن الاستقامة, أو ميل إلى الطغيان، أو جنوح إلى الظالمين، وذكر المؤمن ربه وتاب وأَناب, وفزع إلى الصلاة, غفر الله له ما ارتكبه من آثام، فإِن الصلاة كما تنهى عن الفحشاء والمنكر، تطهر النفوس من الأدران والأَوشاب، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أرأَيْتُمْ لَو أنَّ نَهْرًا بِبَابِ أحَدِكُمْ يغْتَسِل فِيه كل يَوْم خَمسًا، مَا تَقُولُ: يُبْقى ذَلِكَ مِنْ دَرَنه؟ قَالُوا: لَا يبْقى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مَثلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا) (أخرجه البخاري في كتاب (مواقيت الصلوات) عن أَبي هريرة، وجاءَ في سبب نزول هذه الآية (عن ابن مسعود أَن رجلا أصاب من امرأة قبلة حراماً. فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأله عن كفارتها فنزلت فقال الرجل: أَلِهذه يا رسول الله؟ قال لك ولمن عمل بها من أمتي) (أَخرجه الترمذي)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي معنى الآية يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم):(اتَّق اللهَ حَيْث ما كنتَ وأَتبع السيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحها وَخَالِقِ النَّاس بِخُلق حَسَن) (رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي).. وإلى هنا يقف بنا الحديث، على أن نستأنفه بمشيئة الله تعالى في الحلقة القادمة .. أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

محمود عدلي الشريف
[email protected]