[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/aliaklahersan.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]علي عقلة عرسان[/author]
في العراق اليوم وجودٌ أميركيٌّ استعماري عدواني متصهين، ذو تحالفات وأذرع، له نفوذه وأنصاره وأتباعه وأعوانه.. وفي العراق اليوم وجود إيرانيّ يتجذَّر، وله أذرعه أنصاره وأتباعه وأعوانه أيضا.. ويبدو أن صراعهما بالوكالة قد احتدم على أرض العراق من خلال وكلائهما، لا سيما بعد استهداف أرامكو الذي أتى من الشمال واتهم به أعوان لإيران.. وكل يستنفر أتباعه ويحشد قواه.. ثلاثة ألوية أو فيالق أميركية سُحِبَت من جنوب شرق آسيا إلى العراق، وقوات أخرى كانت تحتل مواقع سورية نُقِلَت إلى شمال العراق. الأميركيون يلعبون لعبة كبيرة خطيرة في المنطقة فيما يبدو وما يجري في لبنان ليس خارجها، ولا احتلال آبار النفط السورية في محافظتي دير الزُّور والحسكة وإعلان استثمارها، وحفر آبار أخرى في منطقة تعوم على بحر من النفط والغاز، وتعزيز الوجود العسكري هناك لمدى يبدو من الإعلان "الترامبي" طويلا، ودعم الكرد واستعادة توظيفهم وتسييرهم وراء وهم الدولة.. لا يبدو أن ذلك خارج هذا السياق أيضا .. ومن المعروف والمفهوم والمعلوم أن كل الصراعات الدامية في أقطار عربية بين الدول النافذة، المتخاصمة أو المتنافسة، وبين القوى ذات الحضور والأهداف والأطماع، ندفع نحن العربَ ثمنها، والأمثلة واضحة في سوريا والعراق وفي اليمن وليبيا وفي.. وفي.. وفي.. وكثير من أقطارنا وحكامنا شركاء في اللعبة الدموية، ويخوضون مع الخائضين في دم المساكين، بإرادتهم أو من دون إرادتهم، والمساكين منّا يدفعون الثمن الفادح مرات ومرات ومرات. كل قوة من القوى الموجودة على أرض الوطن العربي تريد أن تقطِّع أوصال القوة الأخرى المخاصمة أو المنافسة.. وتكون النتيجة تقطيع أوصالنا نحن، فنحن أرض الاحتراب، ومعظم وقود ناره ومادته وأدواته.. شعبنا هو الذي يدفع الثمن.
اللاعبون في العراق كثر لكن أكثرهم فتكا ونفوذا وشرا الأميركيون المتصهينون والصهاينة العنصريون الذين دمروا العراق ونشروا فيه الفوضى وأسسوا للإرهاب وللانفصال، ووضعوا قوانين فاسدة مفسدة على رأسها قانون بريمر وما بني عليه، وتلك التوجهات فتحت أبواب المُحاصصات الطائفية والعرقية وعمقت الانقسامات الاجتماعية. ودولة العنصرية والإرهاب والشر "إسرائيل" ما زالت تعمل مع الأكراد في العراق وسوريا على انفصال الكرد وتكوين دولة لهم.. وهي لاعب مؤثر في شمال العراق على الخصوص وتعمل على إضعاف العراق وتقسيمه وتقزيمه قوميا، وتسهم في سرقة تراثه ونهبه ماليا وماديا، وفتح أرضه لتكون ميدان اقتتال بالوكالة مع إيران، لتحقيق أهداف صهيونية ومطامع غربية في ذلك البلد العريق وفي المنطقة كلها.. وهاتان الدولتان على الخصوص، "أميركا وإسرائيل"، تتابعان تدمير العراق بطرق شتى، وتقفان مع دول أخرى خلف حكومات فاسدة مفسدة، والكل يجران الشعب إلى مقاتل وفتن لها في واقع الأمر ما يشعلها ويضري نارها؟ وإيران تقوم في العراق بما تراه من حقها وواجبها "حضورا هناك ودفاعا وهيمنة على قطاعات فيه، ومواجهة لمن تراهم أعداءها على ساحته".
هل هذا مخطط لضرب العراقيين بعضهم ببعض "طائفيا وعرقيا؟!"، "موالون لإيران وتابعون لأميركا، وموالون لعراقيتهم ينادون برفع السيطرة والهيمنة والتبعية عن العراق.. يزجون في حرب منهكة لهم وللبلد.. ويؤدي المخطط إلى اختلاط الحابل بالنابل، وجعل العراق ميدان صراع بالوكالة "عراقيا وعربيا وإقليميا ودوليا"؟ هل "إسرائيل" التي تقف وراء الأكراد ومشروعهم، ووراء توريط المنطقة في حرب بعد حرب لتبقى لاعبا فاعلا فيها، وآمنة في توسعها وتهويدها تضري النار في العراق أكثر من غيرها..؟ وهل لدول عربية دور في هذا الذي يفتح أبواب جهنم من جديد في بلد عانى الأمرين منذ عقود من الزمن، ودفع أرواحا ودما ومالا وثروات ثمنا لحمله راية الأمة، ورغبته في الاستقلال التام، والتطور الذاتي وامتلاك القوة بعقول أبنائه وسواعدهم؟ هل هي "لعنة" يجرها النفط على دول، والدم بالدم حين يراق تلك تتابع العراق وشعبه العظيم؟ هل العراق الحبيب اليوم ميدان صراع خصوم فقط أم أنه في مخاض ولادة؟!
هذه الأسئلة وغيرها أسئلة مشروعة.. والحقيقة أن هذا الصراع يضاعف من مشكلات العراقيين على أرض وطنهم، ويحوِّل المشكلات الداخلية إلى أزمات ذات مضاعفات مرشحة للتدويل.
ولمواجهة بعض حقائق الواقع، في العراق أو في وطننا الذي يعاني من تدخل الدول والقوى الأخرى فيه، ويدفع ثمن ذلك كله.. نقول إننا لسنا بعيدين عن المسؤولية عما يجري، وأن هناك مَن هم ساسة وقادة ومسؤولون يجروننا إلى المواقع والمهالك التي يخطط أعداؤنا لها وننجر نحن إليها بطرق شتى "فبعض دود الخلِّ منه وفيه".
جراح العراق مزمنة ومتجددة.. وأرض العراق جُبلت بدماء، منذ سنوات وسنوات والدم ينزف، والأنين يرافق الشط الحزين، ودمع الأيامى واليتامى يرفد دجلة والفرات، والقهر يسكن القلوب العربية الأبية ويدفعها إلى الصبر آنا وإلى الثورة آنا، وإلى تقديم الأرواح دفاعا عن العراق والكرامة وإنسانية الإنسان، ويموت العراقي ليحيا العراق وتحيا الأمة. في العراق الحبيب اليوم مئات القتلى وآلاف الجرحى منذ بداية تشرين هذا العام، عام البؤس والبأس، هذا الذي ركَّزَ الملح في الجراح فصرخ الدم وفاض التنور بعد صبر طال وانتهاك للحريات والحقوق والكرامات أتى على الكثير مما يعتز به العراقي وينشده.. فتصدت الصدور العارية للنار والديجور.. وما زال الحدث الدامي بكل تفاعلاته ومخاطره وأبعاده مستمرا.
لقد خرج العراقيون في كل مدن العراق وبلداته ضد النهب والسرقة والفساد والإفساد وسوء تصرف السلطات، خرجوا ضد المُحاصصات والطائفية والهيمنة الأجنبية والتدخلات الخارجية.. ضد ساسة وسياسات، رئاسة ووزارات.. كلٌّ ألحق بالعراق والعراقيين تدميرا وتشريدا وإفقارا وتعثيرا، وخرجوا ضد نفوذ دول ألحقت العراق العظيم بسياساتها وركبها واستعمرته بصورة مباشرة أو غير مباشرة وانتهكت ما لم يُنتَهَك فيه.. والعراق حر وسيد يرفض التبعية والاستعمار والانتهاك والذل ولا يستكين..
لقد خرج العراقيون إلى الشوارع من أجل لقمة العيش، وفُرص العمل، وكرامة المواطن الإنسان.. خرجوا بعد انتظار طال وصبر أملَّ وإحباط أظَّ.. خرجوا لكي يفتحوا أبواب الأمل لأجيالهم التي تعاني من التهميش والإغلاق وتكاد تبلغ حدَّ الاختناق في مناخ سياسي طائفي اجتماعي موبوء.. لقد فاض بهم الكيل فسالوا كالسيل العرم، أرادوا التخلص ممّن وممّا يغلق أبواب الأمل بوجه أبناء شعبهم العظيم الذي قدم التضحيات بعد التضحيات من أجل الوطن والمستقبل، ومن أجل الكرامة والأمة، خرجوا لكي يملك الشعب ذاته وقراره ومصيره، ويتخلص ممن يستهدفون هُويته وانتماءه ودينه ويقينه ويشوهون صورته، ويحاولون إفساد العقول والأنفس والعالقات بين الناس، وحتى الدماء في العروق.. وليضعوا حدا لمن يعملون على تشويه العروبة والإسلام وإضعافهما في أرض أعزت العروبة والإسلام وعززتهما وعَزَّت بهما، ولرفع راية الانتماء للأمة العربية التي أضاف العراق باسمها للحضارة الإنسانية عطاءً يذكره المنصفون ويعتزون به أيا كانت هويتهم.
ولطالما اشتكى العراقيون مرَّ الشكوى من واقع معيشي واجتماعي يفوق الوصف وحدود الاحتمال في علقميّته وشَرِّه وشدّة وطأته عليهم، واقع ينيخ عليهم بثقله منذ سنين ويزداد ترديا حينا بعد حين.. حيث نهب أموال البلد وثرواته على قدم وساق، وخطر التدخل الخارجي في شؤونه الداخلية ماثل، وفرض تبعية عليه تنتقص من سيادته الوطنية قائم، والاستعمار المتعدد الأطراف والوجوه والأشكال موجود، مؤثَّل الوجود، ينهب ويخرب ويعزز وجوده ويجثم على صدور الأحرار.. ووكلاؤه وعملاؤه وأتباعه والمستظلون بظله يستقوون به ويرتعون في الأرض، يفسدون ويدمرون كل شيء "الإنسان والعمران والمعايير السليمة والعلاقات بين الناس".. ويبيعون ويشترون في البلاد والعباد، منتهكين القوانين والشرائع والمقدسات والمحرمات.. يمارسون تجارة بالبشر والقيم لم تُعرف لها مثائل من قبل، ويودعون ملياراتهم التي ينهبونها خارج البلاد في مآمن يوعدونها، ويستمرون في القرصنة والنهب والفتك والقهر؟!..
كم وكم اشتكى العراقيون ولم يشعر أحد ممن يعنيهم الأمر بشكواهم، ولا هم لقوا استجابة لمطالبهم المشروعة ممن يتوجب عليهم الاستماع للشعب.. فطما الخطب وفاض السيل ونهض الشعب وانتفض، وخرج يريد الخبز والحرية، العدل والأمانة، ووضع العقول والأيدي والضمائر النظيفة في سدة الحكم وفي مجالات العمل، تحكم وتعدل وتُصلِح وتبني.. ووضع الكفاءات العراقية في المواقع التي تليق بقدراتها ويستفيد البلد منها، وحفظ مال العراق واستعادة المنهوب منه، وتوظيفه المال والثروات العراقية في خدمة الشعب والوطن، من أجل بناء البلاد وإسعاد العباد.. خرج الشعب من أجل الخبز والعدل والحرية.. فقوبل خروجه المشروع النبيل الشجاع بالقنص والرصاص وقنابل الغاز وأشكال القمع والغدر وأنواع التصفيات..؟! فيا له من وضع عجب في الكثير من بقاع أرض العرب، في العراق وفي غيره، أن يخرج المواطن الجائع المقهور ليطالب بحقه المشروع، فيُقتل أو يسجن ليستمر القهر والفساد والظلم والنهب، وليبقى الفاسدون في مأمن، يفسدون وينهبون ويحكمون ويظلمون؟!..
وإنه ليلفت نظر أعمى البصر والبصيرة تعرُّضُ الشعب في العراق بالذات، ومنذ عشرات سنين متتاليات لاستهداف واستنزاف كبيرين مستمرين، تزداد معهما فداحة مُصابه، ويتضاعف بسببهما حجم ألمه ومعاناته.. وفوق هذا يأتي بعض أبنائه وساسته وحكامه ومسؤوليه، ممّن يُفْتَرَض فيهم أن ينقذوه مما هو فيه ويعينوه على ما يصبو إليه.. يأتون عبئا عليه وسيفا مصلَتا على عنقه، ويزيدون طينه بِلَّةً؟! إنهم يغرقون الناس في البؤس والهم والظلم والدم ولا يحلّون لهم مشكلات ضاغطات، بل يصبحون هم بعض تلك المشكلات المُنْهِكات، الأمر الذي يجعل الناس قيد الانفجار كيفما أُشعلت نارٌ أو كلما تحرَّكَ عود ثقاب بزند ويد. لقد كان العراق وما زال مستهدفا من الصهيونية العنصرية، ومن العنصرية العدوانية الأميركية، ومن الجارة إيران، ومن أطماع تركية كانت تضع الموصل في عائداتها الضريبية، ومن عرب ساهموا في تدميره وتعثيره.. وفوق هذا يناله كان من بعض أبنائه ما يناله من ضُر؟! وقد سكن الأنين صوته حتى في لحن الموسيقا وصوت الطَّرب..
ويطيب لي أن أقارب ذلك العاشق العراقي لأستميحه توظيف ما قال فيما أذهب إليه من مآلٍ في هذا المقال. يبالغ ذلك العاشق العراقي الرّيفي الطيب البسيط، المَجبول بالصدق والمعاناة والوفاء جَبْلَ التراب بالماء، ذلك الحامل لإرث المعاناة على ضفاف دجلة والفرات، سواء أكانت المُعاناة ضنكا وضيقا بالظلم، أم بسبب ضرام نار عشق يحرق ولا يُروى.. يبالغ ذلك العاشق، وهو الخبير بالخطوب صغيرها وكبيرها، حين يخاطب حِبَّه بقوله:
تِدْري النَّدى الْبِشْفاك لو يَلْمَس شفاي
شَهرين أَظَلّْ بالصِّيف ما أَشرب المَاي
إنه يغرف من نبع الصدق في كيانه ذلك الذي يغص بالشوق.. الشوق للحِب أو الشوق للعدل. واحرّ قلباه عليه في هواه وبلواه، ثقيلةٌ أحماله، وموغلة في المبالغة قالته، لكنها حلوة وتشف عن مدى لا يبلغه إلا المُحب حين يُحرم ممن يحب والتائق إلى هدف يكاد يذوي ويموت ولا يبلغه.. ولأنها كذلك في صدقها وتوقها وحرارتها، يحلو لي ترديدها واستعارتها وارتداؤها وحتى أن أسحبها على غير محملها، ولا أقول بتأويلها حتى لا أقع في نوع من المحظورات، وأن أصبّها في مجرى ما يجري في العراق الحبيب اليوم.. صحيح أن هذا ليس مجراها، وأنني أسخرها لمجبل غير مجبل الحنين، حين أسوقها في سياق أمور بعيدة عن الحب والعشق، لكنها أمور تحمل وطأة الحِرمان، فالحِرمان من العدل والحرية ومن مقومات العيش والكرامة في ظل الظلم والقهر، وفي مناخ التبعية والفساد والإفساد، مُرٌّ كالحِرمان الذي يعيشه مُدَنَّف أرهقته الصَّبابة وحُرِم من حبيبه.. فهذا يستنزَف نسغ روحه وذاك يستنزف نسغ جسمه.. وكل منهما في المَقلى على نار حامية.
والله هو المُعين والمستعان..﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّـهِ ﴿١٩﴾ - سورة الانفطار