لا تكف الحكومة الصهيونية عن محاولاتها لتطبيع العلاقات مع الحكومات والشعوب العربية، لتصبح جزءا من نسيج المنطقة، وذلك على أساس أن بقاء الأوضاع على حالها الراهن، والتعامل معها ككيان سرطاني متغلغل في جسد الأمة لا يحقق لها الأمان والاستقرار المنشود على المدى الطويل، وهي لذلك لا تكل ولا تمل وتلجأ لمختلف الحيل والألاعيب المعروفة وغير المعروفة من أجل تمرير هذه العلاقة، مستترة بغطاء خارجي تارة، وبنفسها وحيلها تارة أخرى، معتقدة أن الأجواء والتطورات الإقليمية والدولية تصب في صالح هذا التوجه، الأمر الذي دفع بوزير خارجيتها "يسرائيل كاتس" لطرح مبادرة تقضي بإبرام اتفاقات ثنائية مع الدول العربية خصوصا دول الخليج العربي لإنهاء النزاع بينهما، والتركيز على مواجهة إيران، ناسيا أن العلاقة مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها ليس إرادة دولة ولا حكومة ولا نظام وإنما إرادة الشعوب العربية والإسلامية التي تنظر إلى الكيان الصهيوني كدولة احتلال ليس فقط للأراضي الفلسطينية وإنما كذلك للمقدسات العربية والإسلامية، وهو ما لا يمكن معه تحقيق التطبيع الذي تنشده الحكومة الصهيونية مهما كانت التحديات والأزمات التي تعيشها الأمة في الوقت الحالي.وتجهل الحكومة الصهيونية كما تجهل الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس ترامب حقيقة الصراع، وأنه ليس فقط صراعا على الأرض بقدر ما هو صراع عقائدي لا يمكن لأحد أن يتناساه حتى ولو قامت علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني وحكومته المحتلة، وقد سبق وأن أطلق الرئيس ترامب ما يعرف بصفقة القرن، وضغط على العديد من الدول العربية من أجل تبنيها والدفع باتجاه تنفيذها على الأرض، إلا أن صلابة المواقف العربية وعلى رأسها الموقف الفلسطيني أفشل الصفقة حتى قبل أن تبدأ، بشكل أحرج إدارة ترامب ودفعها لتغيير بعض بنودها، بل وتغيير طريقة التعامل مع القضية الفلسطينية، حتى يمكنهم تمرير الصفقة دون معارضة كبيرة من الشعوب والحكومات العربية.والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد: كيف لإسرائيل أن تسعى لتطبيع علاقاتها مع الحكومات والدول العربية، وإقامة سلام شامل يقضي على سنوات الصراع المريرة بين الطرفين، وهي ترفض الامتثال لقرارات المؤسسات الدولية الخاصة بعملية السلام وبإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، بل وتمضي قدما في سياسة بناء المستوطنات فوق الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية دونما أي مراعاة لحقوق الشعب الفلسطيني؟ ليس هذا فحسب، بل ولا تكف عن عمليات تهويد وهدم المقدسات الإسلامية في المدينة المقدسة، وذلك كله على مرأى ومسمع من العالم الذي يبدو أنه لم يعد قادرا على أن يحرك ساكنا في هذا الملف خوفا من ترمب وإدارته اليمينية.ويكفينا أن نذكر بمبادرة السلام العربية المعروضة على الكيان الصهيوني منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، والتي كانت كفيلة في حال قبولها والالتزام ببنودها أن تسهل على الدول العربية عملية التطبيع مع الحكومة الصهيونية، ولكن الغطرسة والتكبر والاعتقاد الزائف بأنهم قادرون على تحقيق التطبيع بلا ثمن هو ما أفشل تحقيق أي تقدم في هذا الملف الحساس، فكون الدول العربية في حال ضعف جعل الحكومة الصهيونية تغير شعارها القديم "الأرض مقابل السلام" إلى شعار "السلام مقابل السلام" ودفعها لأن تضغط من أجل الحصول على السلام بلا مقابل، لا يعني على الإطلاق قدرة إسرائيل على تحقيق خطوة واحدة للأمام في هذا الملف الشائك.ولا يمكن حتى تغيير معادلة الصراع العربية من إسرائيل إلى إيران، فإيران ورغم اختلافنا مع العديد من سياساتها في منطقة الشرق الأوسط، وتقويضها في بعض الأحيان لأسس الاستقرار في المنطقة، إلا أنها تبقى في النهاية دولة مسلمة، بل وصاحبة دور كبير في مواجهة المشروع الصهيوني الذي يستهدف تقسيم وتفتيت دول المنطقة.إن احترام أسس السلام العادل والشامل، والتوقف عن سياسة الاستفزاز التي تتبعها الحكومة الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني، ووقف عمليات بناء المستوطنات وتهويد المقدسات، لهو السبيل الأفضل والمدخل الأنسب لتحقيق الاستقرار للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، أما الاعتماد على الاستراتيجيات الصفرية التي يكسب فيها طرف كل شيء ويخسر فيها الطرف الآخر كل شيء، فقد ثبت فشلها ولا سبيل آخر سوى وقف تنفيذها، وتبني بدلا منها خيارات واستراتيجيات جديدة تحفظ للشعب الفلسطيني حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967. كاتب وباحث علاقات دولية [email protected]