مع اتساع ثورة الاتصالات على شبكة المعلومات الدولية، كان من الطبيعي استخدامها على نطاق واسع لتدخل في كل مناحي الحياة. وللأسف الشديد أن العلاقات الاجتماعية والدولية أصبحت على المحك بفعل الاستخدام الخاطئ لثورة الاتصالات الدولية كونها أصبحت متاحة للجميع دون حسيب أو رقيب، وهذه الحالة هي حالة خاسرة للجميع، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو الدول، فإلى أين سيصل بنا هذا الاستخدام الخاطئ والتراشق المستمر والمواجهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟!
في أحيان كثيرة تغض السلطات النظر عن تلك الممارسات وتترك مساحاتها مفتوحة بين مختلف الأطراف، بل إن ما يسمى بالذباب الإلكتروني الذي تعمل من خلاله بعض الجهات في دول العالم لخدمة أهداف معينة هي ـ بلا شك ـ مسيطر عليها من قبل تلك الجهات، فأصبح الأمر يتجاوز حدود المعقول في بعض الأحيان وأضحت المواجهات مستعرة بين مختلف الدول، ما جعل علاقات تلك الدول على المحك، وهذه هي الحرب الخاسرة بين الأشقاء .
الدفاع عن الأوطان يعتبر واجبا مقدسا بأي شكل من الأشكال، وعندما يتم تجاوز ذلك من قبل بعض الأفراد أو الحسابات الخاصة المحسوبة على دول معينة يكون من الواجب الدفاع عن الأوطان بإبراز الحقائق، وتفنيد الأخطاء المقصودة وغير المقصودة التي تبث من قبل بعض الحسابات وبعض التغريدات، ولكن استمرار تلك المناكفات بشكل مفتوح في حالة تتجاوز العرف والأخلاق والقيم، هنا يكون الجميع قد دخل في المحظور وأساءوا إلى دولهم أولا؛ فالدول يجب أن تتجنب الأساليب السوقية الرخيصة، وينبغي أن تعبر عن قيمها وأخلاقها، بل إن الأمر يتجاوز أحيانا ذلك إلى حالة من التأجيج وإثارة الكراهية والبغضاء بين أبناء الشعوب، وهذا أمر لا يجب أن يتفاقم أو يصل إلى المستوى الذي يمثل خطرا على العلاقات الدولية ويثير حالة من الشحناء بين الشعوب ويملأ القلوب بالكراهية بين الأشقاء، لا سيما إذا كانت تلك المواجهات غير محدودة وغير منضبطة، ولا يمكن تقدير مستواها من قبل مستخدميها .
إن الضرر الذي يلحق بالعلاقات الدولية من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمناوشات في الفضاء الإلكتروني المفتوح لا يمكن تقدير خطره من قبل الأفراد، وبالتالي فإن ترك المساحة مفتوحة لمن أراد أن يدلو بدلوه في هذا الصدد أمر غير محمود العواقب والنتائج، كما أن الجهة الوحيدة القادرة على رسم علاقات الدول مع بعضها البعض هي الجهات الدبلوماسية ووزارات الخارجية في دول العالم، ولكن من الصعب على وزارات الخارجية في ظل هذا الصخب والضجيج الإلكتروني أن تسيطر على ما يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي ولا حتى احتواء وحصر الذباب الإلكتروني الذي يعمل لصالح حسابات خاصة من قبل جهات خاصة، وهذا الأمر يزيد الأوضاع سوءا ويدفع العلاقات الدولية نحو مزيد من الاحتقان، كما أن تلك المناكفات (الخاسرة) تزيد الاحتقان بين الشعوب وتوسع الفجوة بينها وتبعث حالة من الكراهية والبغضاء التي نحن في غنى عنها، وهذه الرسالة عبر هذا المنبر ليست موجهة إلى دولة بعينها أو إلى جهة معينة، بل الجميع شركاء في تحمل المسؤولية تجاه ذلك، ويجب أن يتوقف هذا الضجيج وهذه المواجهات المفتعلة وعلى السلطات تدارك ذلك قبل فوات الأوان .
أقطاب السلطة في دول الخليج دائما يناشدون الشعوب بتوخي الحذر في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ويدينون تلك المواجهات الإلكترونية المفتوحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل يؤكدون على أن العلاقات بين دولنا على أكمل وجه، وعلاقاتنا متميزة، وهذا ما نأمله دائما. ومن هنا ينبغي على الشعوب أيضا ترك السلطات تمارس دورها كيفما تراه مناسبا في علاقاتها الدولية والابتعاد عن الإثارة والتأجيج والإساءة للغير فذلك لا يخدم أحدا ولا يخدم العلاقات الدولية أيضا، ولكن مع الأسف الجميع يمارس نفس الدور، والجميع يسيء للآخر، والجميع يتجاوز الخطوط في العلاقات بين الدول والشعوب. ومن هنا نكرر مناشدة السلطات إيقاف تلك الحسابات ووقف تلك المواجهات والمناوشات المستعرة على وسائل التواصل الاجتماعي .
الأمر المؤسف حقا أن تجد تغريدات تتجاوز حدود الأخلاق والقيم، مع العلم أن بعض التغريدات لا تؤدي رسالتها المفيدة ولا تعبر عن موقف إيجابي يخدم الغرض المطلوب، بل في الغالب مجرد كلمات يحاول كل طرف يتغلب فيها على الآخر وهكذا دون مراعاة للمشاعر الأخوية. وبات من الواجب إبعاد الشعوب عن هذه اللعبة السيئة، وعلى الدول والمؤسسات أن تقوم بدورها في توجيه خطابها عبر وسائلها المعروفة إذا كانت هناك رسائل تود إيصالها إلى الاطراف والدول الأخرى، سواء كانت هذه الرسائل تحمل العتب والأسف لمواقف معينة أو رسائل تقوم على الود والاحترام بعيدا عن هذا العبث الإلكتروني باعتبار أن العلاقات الدولية مبنية على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، أما ترك الحبل على غاربه في مواجهات مفتوحة على شبكة المعلومات الدولية فهذا لا يزيد العلاقات الدولية إلا سوءا، ولا يزيد الشعوب إلا احتقانا، ونحن في غنى عن ذلك تماما.. حفظ الله أوطاننا وشعوبنا ووفقنا لما فيه الخير والسداد .

خميس بن عبيد القطيطي
[email protected]