روى البيهقي قصة وفد طارق بن عبدالله وقومه ـ بني محارب وقدموا لأجل الميرة ـ عن جامع بن شداد قال: حدَّثني رجل يقال له: طارق بن عبدالله المحاربي ـ من محارب خصفة ـ قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز ـ وهو سوق مشهور كان للعرب على فرسخ من عرفة بناحية كبكب ـ إذ أقبل رجل ـ زاد في راية الحاكم: عليه جبة له حمراء, فسمعته وهو يقول: أيها الناس, قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجَّع يتبعه فيرميه بالحجارة زاد في رواية الحاكم: وقد أدمى كعبيه، يقول: يا أيها الناس, إنه كذاب فلا تصدقوه ـ فجمع بين الأذى فعلًا وقولًا، ولو كان من أجنبي لربما كان أخفّ، ولذا قال (صلى الله عليه وسلم): (ما أوذي أحد ما أوذيت، وقال: لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، فقلت من هذا؟ فقالوا: هذا غلام) ـ أي: رجل وفي القاموس: الغلام الطار الشارب، أو من حين يولد إلى أن يشيب، والمراد الثاني ـ من بني هاشم يزعم ـ أي: يذكر، وعبَّروا بالزعم لأنهم كانوا في شك من رسالته، وأكثر ما يستعمل فيما يشك فيه، وإن أطلق على الحق والباطل والكذب ـ أنه رسول الله. قلت: من ذا الذي يفعل هذا؟ قالوا: عمه عبدالعزّى ـ أي أبو لهب لعنه الله ـ قال: فيما أسلم الناس وهاجروا، خرجنا من الربذة ـ بفتح الراء والموحدة والمعجمة ـ قال في المصباح: وزان قصبة، خرقة الصائغ يجلو بها الحلي، وبها سميت قرية كانت عامرة في صدر الإسلام، وبها قبر أبي ذر الغفاري وجماعة من الصحابة، وهي عن المدينة في جهة المشرق على طريق حاجّ العراق، نحو ثلاثة أيام ـ نريد المدينة نمتار ـ أي: نحمل منه من تمرهاـ فلمَّا دنونا من حيطانها ونخلها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابًا غير هذه ـ لكان أحسن فلو شرطية، حذف جوابها ـ فإذا رجل في طمرين ـ بكسر الطاء ـ ثوبين خلقين، أو كساءين باليين من غير الصوف ـ له فسلم, وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نمتار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة لنا، امرأة في هودج سُمِّيَت بذلك، ولو كانت في بيتها لأنها تصبر مظعونة، أي: يظعن بها زوجها ـ ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعون جملكم هذا؟ قالوا: نعم, بكذا وكذا صاعًا من تمر، فأخذ بخطام ـ مفرده خطم، مثل كتاب وكتب، أي: ما يقاد به الجمل ـ فانطلق، فلمَّا توارى عنَّا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا ـ استفهام توبيخ لأنفسهم على تسليمهم الجمل لمن لا يعرفونه من غير قبض ثمنه ـ والله ما بعنا جملنا ممن نعرف, ولا أخذنا له ثمنًا. قال: تقول المرأة التي معنا: والله لقد رأيت رجلًا كأنَّ وجهه قطعة القمر ليلة البدرـ وهو (صلى الله عليه وسلم) أحسن ما يكون القمر، وشبه به دون الشمس لأن نوره أنفع من نورها، وحسن الوجه دليل على الخير، فضلًا عن الأذى، كما قال (صلى الله عليه وسلم):(اطلبوا الخير عند حسان الوجوه ـ أنا ضامنة لثمن جملكم, وفي رواية ابن إسحاق: قالت الظعينة: فلا تلاوموا، لقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم، ما رأيت شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه إذ أقبل رجل ـ جواب لمحذوف، أي: فبينا نحن نتكلم إذ أقبل (رجل) وفي رواية الحاكم: فما كان العشي أتانا رجل، فقال: أنا رسول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إليكم، هذا تمركم ـ المراد هذا التمر الذي بعتم به جملكم بعث به إليكم لتستوفوا منه ـ فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا ـ أي فلا تتساهلوا في نظير أكلكم ـ فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة ـ من الغد، كما في رواية الحاكم، (فلمَّا دخلنا المسجد، إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس) يحتمل أن ذلك وافق يوم جمعة، وأنه عرض له أمر اقتضى الوعظ، فصعد المنبر للوعظ عليه، فلمَّا دخلنا المسجد إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس ـ فأدركنا من خطبته وهو يقول:(تصدقوا فإن الصدقة خير لكم) لأنها بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، ولأن فيها المواساة والسماحة، ومخالفة النفس المطبوعة على حب المال، وقال (صلى الله عليه وسلم):(أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر) ـ اليد العليا ـ وهي المنفقة ـ خير من اليد السفلى ـ الآخذة، وقيل: العليا هي المنفقة، وقيل: السائلة، لكن ورد في رواية اليد العليا المنفقة من النفقة في رواية الأكثرين. (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية 5/ 200)، وبقية الحديث عند مخرجه:(وابدأ بمن تعول) أمك وأباك، وأختك وأخاك، وادنَّاك أدناك، وثم رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله, هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع، قتلوا فلانًا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع (صلى الله عليه وسلم) يده حتى رأيت بياض إبطيه، فقال: لا تجني أم على ولد، أخرجه الحاكم بطوله، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه النسائي وابن ماجه مختصرًا عن طارق أن رجلًا، قال: يا رسول الله, هؤلاء بنو ثعلبة، الذين قتلوا فلانًا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يده حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول:(لا تجني أم على ولد مرتين) (المرجع السابق 5/ 204).
والخلاصة: أن طارق بن عبدالله، وقيل: عبيدالله صحابي، له حديثان، أو ثلاثة أحاديث، روى عنه أبو الشعثاء، وربعي بن حراش، وجامع بن شداد، كما في الإصابة، روى أصحاب السنن الأربعة والبخاري (البداية والنهاية، ط: إحياء التراث 5/ 100).

محمود عدلي الشريف
[email protected]