جمال عبدالعزيزعزيزي القارئ ـ نستكمل اليوم الحلقة الثالثة والأخيرة من هذا الموضوع والذي نشرنا حلقتيه الأولى والثانية خلال شهر رمضان الفضيل..حيث أن التعبير بالجملة الاسمية يفيد ثبوت الحكم، ويفيد كذلك استمراره، وأزليته، وهو يضفي على موقف المحاربين اطمئنانَ القلب، وفرحة الفؤاد بوجود هؤلاء الجنود الذين يَسُدُّونَ عين الشمس، موجودون معهم، يقفون إلى جوارهم،ويساندونهم، ويُقَوُّونهم ، وتعريف (السموات والأرض) ليشمل السبع في كل منهما، وهو كناية عن كثرتهم الكاثرة، مما يعني غلبتهم في كل معركة، وتحقيق الفوز لديهم محقق، ومضمون لا شك فيه، وأنه لا يغلبهم بشر، لأنهم جنود من عند الله القوي المتين.
ومن ثم جاء التذييل رائعاً:(وكان الله عليماً حكيماً) أي عليما بما يدور في كونه، رقيبًا حسيبًا، ثم إنه حكيم يضع الشيء في نصابه، ويُنزل السكينة في قلوب عباده وأحبابه في الوقت المناسب، فكل أفعاله تنطق بالحكمة، حيث وَضْعُ الشيء في نصابه بكل دقة، وكمال؛ وكل علم، وإحاطة، وهو دافع إلى استقرار نفوس أهل الإيمان بأن الله عليم بهم، وهم في معيته، وأنه حكيم يفعل الخير بهم وبكونه جميع، ثم ذكر علة أخرى يُفرِح بها أحبابَه، ويَسُرُّ بها عبادَه، وتستقر معها أفئدتهم وقلوبُهم، وتسعد أرواحهم، ويُصِرون معها ولها على التمسك بدينهم، والالتفات حول رسولهم، وقرآنهم :"ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات" فعلَّة إنزال السكينة التي تبعت إيمانهم ومن ثم تثبيتهم، وإنزال الجنود ورسوخ القدمين، والثبات التام هي: أنه فعل ذلك ليُثيبهم بدخول الجنان الفيحاء، تلك التي "تجري من تحتها الأنهار"، وفيه كناية عن امتلاك أسباب استمرارها، وجريان الأنهار هنا مجاز عقلي، علاقته المكانية؛ حيث إن الأصل أن تجريَ مياه الأنهار، لا الأنهار نفسها، لكنْ هنا تجري الأنهارُ نفسُها بإذن الله؛ تكريما لهم، فهي تجري بشواطئها، وتمضيبسواحلها؛ إعلاءً لشأنهم، وبيانًا لقدرهم، ومكانتهم، فالأنهار: فاعل ، فهو مجاز عقلي، لا مجاز لغوي مرسل ، فالأنهار نفسها تعلم وظيفتَها، وتدرك مهمتها، وتعي رسالتها ، فتجري من تحت الجنات، تروي، وتثمر، وتملأ الحدائق والبساتين ثمارًا وَوُرُودًا، ورِيَاضًا،وأزهارًا، وثمارًا يانعة، آسرة، يدخلونها، يستمتعون فيها بنعم الله وفضله جزاءً لهم، وكفاءَ ما قدموا من أرواحهم لربهم، ولنشر دينهم، وذودًا عن حياض إسلامهم، وجاء لفظ "جنات" جمعًا في: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات)؛ ليوحيَ بسعة الفضل، وتمام المنة، فليست جنة واحدة، بل هي جنات، والمياه تجري، واستعمال المضارع (تجري) يفيد استمرار جريان المياه، وهو يعني استمرار حيوية الجنات، واخضرارها، وامتلاء أشجارها بثمارها؛ لأن المياه هي روح الأراضي، والثمر، والشجر، وكل شيء، قال تعالى:(وجعلنا من الماء كل شيء حي)، ثم تأتي الحال: (خالدين فيها) لتكون كناية عن الخلود والبقاء، فلا خوفَ أبدًا من فقدان أمر ذهابهم عنهم، فهي لهم أبد الآبدين، وشبه الجملة:(فيها) يوحي بتجوُّلهم في كل مكان فيها، وانظرافهم في كل أجزائها، ودورها، ودرجاتها، وفي كل واحدة منها، وذهابهم وعودتهم في كل مناحيها حتى لا يراهم الرائي، ثم ينالون كذلك نعمة تكفير الذنوب:(ويكفر عنهم سيئاتهم)، وكَفْرُ الشيءِ:سترُهُ وتغطيته، فهو سبحانه يستر عليهم، ويغطِّي على سيئاتهم ، ويعفو عنها، كأن لم تكن، ولا يفضحهم، بل يستر عليهم، ويمحو معاصيهم؛ لأنه أحبهم، وتفضل عليهم بنعمه، ومِنَنِهِ، وكرمه، فهو يمحو ما قدموه من معصية، ويستر العيوب والذنوب.و(عن) حرف يفيد المجاوزة، فهو يتجاوز عن سيئاتهم، وتمر عنهم فلا يحاسبون عليها، وتمضي كأنها ليست لهم، ويرفعها عنهم، ويُنسِى الحفظة ما فعلوه؛ تكريما لهم، وإعلاء لقدرهم، ثم تختم آيات الفتح بهذا الفضل المبين، والخير العميم:(وكان عند الله فوزا عظيما)، أيْ كل ما تقدم من نعم، وامتنان، وفضل، وحدب، وحنان إنما هو من عند الله ، إنه حقا الفوزُ العظيم، والمنُّ الكريم، واسم الإشارة: (ذلك) اسم إشارة للبعيد: مكانةً، ومكانا ، منزلةً، وفضلا، وشبه الجملة:(عند الله) ظرف المكان يشعر بشرفه، وبُعْد منزلته، وطهر دلالته، وكمال شرفه؛ لكونه عند الله، والتعبير بـالمصدر:(فوزا) المنكَّر، الذي يعد صرفيا صفة مشبهة كذلك يفيد الاستمرار، والدوام، فالفوز بكامل نعماه، وتام مبناه، ثابتٌ مستمرٌّ؛ لأنه في استمرار أبدي، أزلي، سرمدي، ثم جاءت الصفة (عظيما) نكرة ليشمل كل معاني العظمة،وهو صفة مشبهة كذلك؛ لتبين أن عظمته ثابتة، مستمرة، لا تنفك عن الفوز، ولا ينفك عنها الفوز، فالفوز يشمل جميع أنواع الفوز، والنصر، والفخر، والعظمة كذلك تشمل كلَّ أصناف، وأطياف العظمة التي يتصورها أو لا يتصورها عقل، فتوضِّح الآيات من أولها إلى آخرها عظمة الفتح، وجلال أهله، وتبيِّن مكانتهم عند الله، ومدى ما أفضى عليهم من نعمه: من حيث المغفرة التامة، وإتمام النعمة، وإكمال هداية الصراط المستقيم، وتثبيت أهل الإيمان بجنود لا قِبَل لمكة بها (جنود السموات والأرض) ، مع العلم التام، والحكمة الكاملة، ثم إدخالهم جنات تجري من عند الله العزيز الحكيم، والكريم الرحيم.