إنّ الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات، وإذا كان علم الفقه يدور حول هذه الأشياء الثلاثة، فإن علم أصول الفقه هو بمثابة الشمس الشارقة عليه وهو مفتاحه، ومن عرف الأصول سهل عليه معرفة الفروع.(تطبيق) الأمر بالنوافل لا يعني النهي عن تركها بدليل أن تركها مباح والمباح مخالف للنهي. لا يستلزم ـ أي في دلالة التزام ـ الأمر بالشيء أن يكون نهياً عن ضده عند أكثر الأصوليين بمن فيهم المصنف وباتفاق اللغويين لأنهم فرقوا بين صيغ الأمر وصيغ النهي, ولأن الأمر بالنوافل لا يعني النهي عن تركها بدليل أن تركها مباح وإن كان حكم الأمر واجباً لكن الأمر بالنوافل حقيقة لا مجازاً لكنه صُرِف عن الوجوب بقرينة.قال المصنف: وفرق بين من أن يستلزم الأمرُ طلبَ الكف عن ضده وبين الكف عن ضده، فمثلاً: قولهم:(قم) فيستلزم القيام الكفَّ عن القعود بينما لا يستلزم النهي عن القعود.تعريف النهي:لغةً: المنع، واصطلاحاً هو: طلب الكف عن الفعل من غير خالقنا لأن طلب الكف عنه من الخالق هو دعاء كمثل قوله سبحانه:(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة ـ 286) ويشمل الحرام والمكروه لأن كليهما طلب كفٍ.(النهي لا يدل على فساد المنهي عنه): ليس الكلام هنا في إن الأمور غير المشروعة أصلاً قبل النهي عنها من جانب الشارع كالزنا وأكل الميتة وشرب الخمر لأنها غير المشروعة رأساً فلا يعتدُّ بها أبداً, وإنما الكلام بما فيه من الخلاف في الأمور المنهية عنها التي كانت مشروعة قبل النهي كصلاة الحائض فإن المرأة قبل حيضها مأمورة بالصلاة وجوباً وندباً، وبعده منهية عنها، وهناك قولان مشهوران الأول إن النهي يدل على فساد المنهي عنه، والثاني لا يدل على ذلك وأصحاب هذين القولين لا يعممون قاعدتيهما أو أصليهما الذين بنوا عليهما على كل النهي وإنما استثنوا منهما أموراً بسبب وجود قرائن.وثمرة الخلاف فإن الحائض لو صلت، فيحكم القول الأول بفسادها ولا تجزي عن النذر ولا عن القضاء ويحكم القول الثاني بصحة صلاتها لكنها غير مقبولة عند الله ولأن صحيحة فإنها تجزيها عن النذر. وهناك فريق ثالث ذهب إلى أن النهي لذاته يدل على فساد المنهي عنه مثل: بيع الحر، فإذا بِيْع الحر كان البيع فاسداً فلا ينعقد, بينما إذا كان النهي لوصف فيه فإنه لا يدل مثل وطء الزوج الحائض فلا يفسد عقد الزواج، فالوطء ممنوع لأجل الحيض لا لذات الزوجة.ورجح المصنف الرأي الثاني واستدل بأن طلاق البدعة صحيح مع أنه منهي عنه وكذلك البيع وقت نداء الجمعة, وإن اقتضاء الفساد بحاجة إلى دليل خارج عن النهي.ومن صيغة النهي حسب وضعه اللغوي كما يلي:1ـ إما حقيقية نحو المنهي عنه بـ(لا) نحو:(وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى) (الإسراء ـ 32) فهو أسلوب طلبي, أو مجازية كالخبر عن صيغة النهي نحو المنفي بـ(لا) كقوله تعالى:(لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة ـ 79) ومنه قوله سبحانه:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) (النساء ـ 23).