.. فتدبرنا للقرآن يفتح لنا آمالا ويشرق لنا أنوارا ويزيل الغشاوة من القلب ويحرك مشاعر الإيمان بتدبر آيات القرآن قال سبحانه:(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) (ص ـ 29)، أن الحياة مع القرآن والمعايشة بتدبر آياته إكراماً وتقديراً من الله لهذا الإنسان، وقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يتأثر بالقرآن أشد تأثر إذا قرأه أو قرئ عليه، عن عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:(اقرأ علي القرآن، فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت عليه من سورة النساء حتى إذا بلغت قوله تعالى:(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا، قال: حسبك)، قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان، ولما كسفت الشمس في عهده (صلى الله عليه وسلم) صلى بهم فجعل يبكي وينفخ، ويقول:(رب، ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟! ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟! ونحن نستغفرك)، وعن عبدالله بن الشخير ـ رضي الله عنه ـ قال:(أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل) (أخرجه أبو داود) أي: غليان كغليان القدر، وكذا كان أبو بكر الصديق وعمر ـ رضي الله عنهما. تدبر القرآن يستجيش القلوب ويجعلها تستنير وتشرق وتنبض للروح، وتغشى المتدبر السكون والطمأنينة وتقر عينيه تؤمن بأن سبحانه وتعالى هو المعبود لا غيره والرزاق فلا يرجو غيره. ويجب على المسلم عند قراءة آيات الله الحرص على أن يخشع قلبه ويتدبر ما يتلوه من كتاب الله، قال ابن مسعود:(إذا سمعت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فارع لها سمعك؛ فإنه أمر تؤمر أو نهي تنهى عنه). ويستحب أيضًا أنه كلما مر بآية تسبيح سبح، وكلما مر بآية عذاب تعوذ، وكلما مر بآية رحمة سأل الله من فضله، لما روى مسلم عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال:(صليت مع رسول الله ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة .. إلى أن قال: فإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ) (رواه مسلم)، ولكي يعيش المسلم حقيقة التدبر ينبغي عليه ان يتدبره ويفهمه ويعمل به ولا يتسنى له ذلك إلا بفهم معانيه ومعرفة تأويله قال الطبري وهو من علماء التفسير وأئمته:(إني لأعجب ممن يقرأ القرآن ولم يفهم معانيه كيف يتلذذ به؟!)، ويقول الزركشي:(من لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدرك من لذة القرآن شيئاً)، ويقول ابن القيم:(فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه يتفكر، حتى إذا مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مائة مرة ولو ليلة)، فقراءة آية بتفكر وتدبر خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلوب، وأدعى لحصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب.ولقد شبه الله المعرض عن هذا القرآن الكريم بالحمير فقال:(فما لهم عن التذكرة معرضين، كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة) وأخبر أنه يحمل يوم القيامة وزرا (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا، مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا، خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا)، فالشرُ كل الشرِ في الاعراض عنه، والخيرُ كل الخيرِ في الاقبال عليه، فطوبى لمن كان حجة له وويل لمن كان حجة عليه (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ). ومن فوائد التدبر وثمراته في حياة الأمة نلخص جملا ًمن كلام العلامة ابن القيم توضح لنا أن التدبر هو أفضل علاقة تكون بين العبد وكتاب ربه، فهو قول وعمل وسمت وحياة فكرية كريمة في رياض القرآن، وهو عملية منهجية تربوية عقلية روحية تبعث الهداية الحقيقية في القلب، وتحقق النتائج والمخرجات التالية:1 ـ إنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتَتُلُّ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة.2 ـ تثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر.3 ـ تُشهده عدل الله وفضله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها.4 ـ تُعــرِّفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم.5 ـ تـُعرِّفه مراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه.6 ـ تعرِّفُهُ الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.7 ـ تـُعـرِّفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.8 ـ تُعرِّفه التمييز بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالَم؛ فتريه الحق حقا، والباطل باطلا، وتعطيه فرقانا ونورا: يفرق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد؛ وتعطيه قوة في قلبه، وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا. وقد حثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّتَه على حفظ القرآن الكريم ومدارسته، وتعلمه وتعليمه، وبيَّن فضل أهله وحَمَلته، والأحاديث في هذا الباب معلومة مشهورة.وقد عُني المسلمون بكتاب ربهم عناية فائقة، تميَّزوا بها على مَن سبقهم من الأمم؛ حيث تنافسوا في قراءته وحفظه، وتسابقوا إلى دراسته والعمل به، وظل هذا الكتاب الكريم على مرِّ القرون ـ منذ نزوله إلى يومنا هذا ـ محفوظًا في الصدور، كما هو مكتوب في المصاحف، يأخذه اللاحق عن السابق، فالحمد لله على منَّته وفضله، والله سبحانه وتعالى لفت النظر لأهمية تعليم القرآن وتعلمه، فقال سبحانه:(الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ القُرْآنَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ) (الرحمن 1 ـ 4).