[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]
تموت نخيل بلدة البليدة من أعمال المضيبي تارة وتحيا تارات أخرى ويمحل فلجها في كثير من الأحيان ويروي العطشى في فترات قد تطول أو تقصر عقب هطول الأمطار فينحسر الخبر بعد طلوع النهار عن المسامع في محول الفلج أو جريانه إلا أنّ خبر وفاة العم علي لا ينحسر عن أذهاننا فكان مثيرا للانتباه وحديث الساعة ، ليظل ملازما لبصائرنا ، وذلك لانكسار جناح مهيض من أجنحة البليدة ونتيجة لذلك ذبلت شجرة السدرة التي نطلق عليها مذ كنّا صغارا (السدرة العودة) تلك السدرة العظيمة التي ينعقد تحت ظلها اتفاقيات الترميم وخدمة الفلج الذي لا يزال يئنّ تحت صراع مخاض عسير، لربما يقف عليه الجانّ فتنتهي خدمة الفلج حينما يقف العم علي في قولته الشهيرة (حبيّابك العين) سيجري الفلج عاجلا أم آجلا.
لقد انكسر جناح بيت العم علي وهو يعتلي تلة شهيرة في بلدة البليدة طوال ثمانية عقود من الزمن ، فذبلت كروم العنب ، وتساقطت ثمار السدر ، ولا أظن أنّ غلة ثمار النخيل ستجنى هذا العام في البليدة ، ولن تكون صالحة للأكل ، فمن يجنيها ترجّل من صهوة جواده ، للتذكير بأنّ العم علي كان قائدا حصيفا لهذه البلدة في التاريخ قبل أن يقلب الدهر ظهر المجنّ.
نعم لقد صنع العم علي في الأذهان صورة خالدة وهو يداوي المرضى ويطبّ النفوس وينشر التفاؤل ويبعث الأمل في النفوس بهمة عالية ويجدد من نشاطه ، ويتعلل بالسهر مع محبيه من البدو والحضر عبر بساط أحمدي وكان إلى جانب هذا كلّه ذا هيبة وعلو شأن ومع ذلك لا يمشي في الأرض مرحا ، ولذا استطاع أن يبني حياة ملؤها التفاؤل متكئا على عصاه الذي لا يفارقه في خلواته متأبطا أفكارا أخرى للعلاج العشبي، الذي يعين به المرضى ويسكن به آلامهم وهم راضون ، لأنّهم يدركون أن محاولات الشيخ إيثار وإخلاص ومن يخلص في مهامه يزوده الرحمان بالعجائب والغرائب.
شعور ينتابني بين الفينة والأخرى بأنّ تلك البيوتات الطينية في بلدة البليدة وتلك الشجيرات الحالمة والنخيل الباسقة لا زلن ينتظرن العم علي أن يسكب عليهنّ من فيض كرمه وعطف جميله ودماثة خلقه ينبوعا من المياه التي تروي ظمأها من عطش السنين وشقاء الدهر ولكن هيهات لها ذلك فلن تجد قلبا أحنّ عليها وأعطف من العم علي الذي ما فتئ يراودهن ليل نهار إلا أنه اختار الوداع دون محض إرادته فأي اختيار ذاك وأي قبض للروح وأي موقف قبضت فيه الروح لقد عاد ليموت في بيته وسط خلانه وكأنه على موعد مع الموت في ذلك المكان المتوشح بالبساطة المنزلية.

تلقيت خبر وفاته قبيل غروب الشمس فذهلت وشعرت وقتئذ بصدمة كبيرة ، وتساءلت إن كان الخبر صحيحا ، إلى أن تأكّدت من صحّته إذ بعد الوفاة توافد الأهل والأحباب، فصلينا عليه عند منتصف الليل في بلدة الشارق التي غشاها الحزن ويا لها من لحظة صعبة تعلّقت بذاكرتي فلا أنساها ! وهو موقف شديد حين يبكيك القريب والغريب... لكنني تصبرت وذكرت الله فقلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون! تجلدت وقرّرت البقاء فحزنت عليه حزنا شديدا، ولم أتمالك نفسي فذرفت دموع الحزن على فراقه ، بعد أن كنت في كل زيارة له في بيته يدعوني إلى الحديث معه، عن كفاح الأجداد، وقيمة الزراعة والغرس والعمل والإخلاص والتواضع وحب الناس والحلم وعودة المرضى وزيارة الأقارب وصلة الرحم فما أوسع قلبه وما أكبر همته .

وداعا عم علي ، سدرة الشّرق اليانعة ، إنّا لله وإنا إليه راجعون، رزقك الرحمن مغفرة وجنانا اللهم آمين.


[email protected]