[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/suodalharthy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]سعود بن علي الحارثي[/author]

بدت ملامح المدينة المصنفة في المركز الثاني بعد (مدريد) تظهر تدريجيا من نافذة الطائرة، فتبادلت ساعتها مع أصدقاء السفر تلك الأيام الذهبية للعصر الإسلامي وتلك الأحداث المجيدة التي وقف فيها المنصور بن أبي عامر محاصرا مدينة برشلونة برا وبحرا إلى أن دخلها عنوة بعد فرار حاكمها، ومنها انطلقت الجيوش الأوروبية بعد عقود من الزمن لانتزاع المدن والإمارات الإسلامية في الأندلس واحدة إثر الأخرى. فمن أين يا ترى سأبدأ؟ وكيف سينتهي وصفي لهذه الزيارة التي لا شك بأنها ستكون مرهقة ومتعبة على عكس الزيارات الأخرى؟ فخسارة الإنجازات والبطولات والانتصارات والأمجاد لا تعادلها خسارة في رصيد الأمم والشعوب. ولا شك أن الفارق جلي والمقارنة لا تجوز البتة بين الحضارة العربية الإسلامية التي أقامها العرب في أوروبا واستمرت لثمانية قرون، أضاءت سماء العالم، وقادته إلى العلم والمعرفة عندما (توحد المسلمون واليهود والمسيحيون المحليون هناك حول لغة واحدة هي العربية، وفلسفة مشتركة، وتمكنوا من تقديم حضارة مشتركة؛ وتسمى عصر النهضة الأندلسي) ـ والتي للأسف تنكر لها الغرب فعاملوا المسلمين أسوأ معاملة عرفها التاريخ بعد أن استعادوا قوتهم العسكرية وهيمنوا على الجزيرة (الأيبيرية ممثلة اليوم في (إسبانيا والبرتغال)) ـ وبين حضارة (القوط)، التي أسسها أحفاد أولئك الذين شاركوا في إخراج العرب منها (البرتغال) فنشروا الرعب والخوف والفوضى ودمروا القرى والمدن التي استباحوها وقتلوا الآلاف في طريقهم إلى السيطرة والاستعمار والاستحواذ (فلم يترك (ألبوكيرك مدينة إلا وحرقها ودمرها بداية من قلهات التي سويت بالأرض...)، والتي أسماها الكاتب محمد أحمد مرسي بـ(أساطيل الانتقام البرتغالي)، كان (وصول البرتغاليين إلى السواحل العمانية كارثة عليها بالنظر إلى ما ارتكبه البرتغاليون فيها من مجازر وانتهاكات إنسانية كما حدث في قلهات وصور وقريات مرورا بمسقط وصحار وخور فكان وصولا إلى هرمز). لقد كان العام 1492م، (كارثيا) كما يراه الباحث خالد بن علي المخيني، ليس (على أمة العرب وحدها، فعلى الرغم من فداحة سقوط غرناطة في ذلك العام إلا أن ما تبعه من أحداث جسام أثرت على العالم بشكل دراماتيكي ومأساوي في ذات الوقت، جاء على شكل هجمات بربرية انطلقت من أوروبا على شكل موجات متتالية نحو كل الأصقاع على ظهور سفن كبيرة مجهزة جيدا، ومحملة بالكثير من المدافع والأسلحة النارية، والرجال المتعطشين للثروة واكتشاف المجهول). لقد كانت (الرغبة لدى ملوك إسبانيا والبرتغال في التوسع والسيطرة على أماكن ومستعمرات جديدة خصوصا الإسبان الذين ورثوا ثروة عظيمة جراء سقوط الأندلس) في مقدمة الدوافع لـ(لاكتشافات الجغرافية). فلم يمهلهم العمانيون كثيرا، فقد كانت (عمان بأكملها منشغلة بالجهاد ضد البرتغاليين)، ولم يكتف اليعاربة بتحرير أرضهم من البرتغاليين بل واصلوا الحرب عليهم وطاردوهم من بلد إلى آخر حتى ضمنوا تحرير معظم قارتي آسيا وإفريقيا واستعادوا كرامة العرب المهدورة في إسبانيا، وسجلوا للعمانيين تاريخا مجيدا ومواقف مشرفة علينا نحن الأبناء أن نجعل منها نموذجا للدفاع عن الوطن وخدمة مصالحه وتحقيق التقدم والتطلعات وبلوغ الأهداف الرفيعة، ولن يتحقق ذلك إلا ببناء اقتصاد قوي متعدد الموارد قادر على النمو يحفظ لعُمان نفوذها ومكانتها واستقلالها السياسي وتميزها في إدارة الأزمات ونجاحها الدبلوماسي الفريد، لكي لا نفاخر بماضينا فقط بل وحاضرنا كذلك، وننافس ونسهم على المراكز المتقدمة في المنجزات الحضارية، بإطلاق الكوامن والمحفزات وعناصر القوة وأسبابها التي تمتلكها عُمان ويتقن استثمارها أبناؤها متى ما توافر لهم التعليم المتطور والتأهيل المناسب والإيمان بالمواهب واحتضانها، وتوفير الفرص لها وبيئة العمل المشجعة والجاذبة. لقد عد توحد مملكتي قشتاله وأرجون إيذانا بانتزاع الممالك الإسلامية وإعادتها إلى الأراضي الإسبانية، فيما قاد بلوغ كريستوفر كولومبس إلى (العالم الجديد)، في أول رحلة من نوعها ممولة من قبل إيزابيلا الأولى، تعبر المحيط الأطلسي إسبانيا لتتحول تدريجيا إلى إمبراطورية بلغت أوج قوتها في القرن الخامس عشر الميلادي، وسبقت الإمبراطورية البريطانية في وصفها بـ(الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس)، بسيطرتها على (أكثر من نصف الكرة الأرضية)، لكن هذه الأخيرة ظهرت باعتبارها قوة جديدة أنهت سيادة الأسطول الإسباني في عهد الملكة إليزابيث، وتغلبت على أقوى دول أوروبا، بعد أن كانت إسبانيا بحق (مصدر نفوذ مهم في مناطق أخرى خلال العصور الحديثة، عندما أصبحت إمبراطورية عالمية خلفت إرثا يضم أكثر من 500 مليون ناطق بالإسبانية، مما يجعلها ثاني اللغات الأم استخداما)، ويكفيها شرفا وشهرة أنها كانت حاضنة رائعة أو تحفة الكاتب الكبير (جابرييل جارثيا ماركيز) (مائة عام من العزلة)، التي ألهمت الكثيرين حول العالم، وكم سعدنا عندما أعلنت (شبكة نتفليكس)، عن إنتاجها لمسلسل يقتبس أحداثه من هذه الرواية. وتظل رواية المسرحي والشاعر والروائي الإسباني ميجيل دي ثيربانتس) (دون كيخوطي)، من أشهر الروايات وأعظمها في تاريخ الرواية العالمية واعتبرها النقاد (أول رواية أوروبية حديثة). فيما يعد ميجيل واحدا من (الشخصيات الرائدة في الأدب الإسباني على مستوى العالم). تولى الصديق حافظ المسكري قيادة السيارة (الفوكس ويجن) ـ التي رافقتنا على مدى أسبوعين من زمن هذه الرحلة ـ بمهارة الربان المخضرم الذي أصقلته التجارب والمسؤوليات الإعلامية التي تولاها على مدى ثلاثة عقود من الزمن في العديد من مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص بدءا من مجلس الشورى، ولن يكون مجلس البحث العلمي محطته الأخيرة دون شك، فالرجل نهر متدفق بالطموحات والتطلعات والأفكار والمبادرات التي لا تنضب.