نصّت المادة (113) من قانون الأحوال الشخصيّة على أنّه : (تطلق الزوجة إذا حلف زوجها على عدم مباشرتها ولم يفيء قبل انقضاء أربعة أشهر).
فقد أفاد هذا النّص على أنّه: إذا حلف الزوج على عدم مباشرة زوجته؛ كأن يقول لها: (والله لا أجامعك ) ولم يرجع عن يمينه بأن لم يجامعها حتى مضت أربعة أشهر تطلق منه زوجته، وإن جامعها في خلال الأربعة الأشهر فهي زوجته وعليه كفارة يمين، فمعنى النّص (ولم يفيء قبل انقضاء أربعة أشهر)، أي ولم يرجع عن يمينه قبل مضي أربعة أشهر، والرجوع يتحقق بمباشرة الزوجة، والمباشرة تعني الجماع، ويُعتبر الطلاق في الإيلاء طلاقا بائنا وفقا للمادة (115) من ذات القانون.
التطليق للظهار
أوّلاً : الظهار لغة: مصدر ظاهر، وهو مشتق من الظهر، يُقال : ظهر الشيء ظهوراً: تبّين وبرز بعد الخفاء، وظاهرت فلانا إذا قابلت ظهرك حقيقة، وظاهر بين الثوبين طابق بينهما، ولبس أحدهما على الآخر، وظاهر أمراته قال لها: (أنتِ عليَ كظهرِ أمي)، أي أنتِ عليَّ حرام، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية فنهى الإسلام عن ذلك.
وخُصّ الظهر بذلك من بين سائر الأعضاء؛ لأنّ كلَّ مركوب يُسمّى ظهراً لحصول الركوب على ظهره في الأغلب فشبهوا الزوجة بذلك لأنّها مركوب للرجل.
الظهار هو: أن يشبّه الرجل زوجته بامرأة أخرى محرّمة عليه على التأبيد، أو بجزء منها كالظهر والبطن والفخذ ممّا لا يحل له النّظر إليه؛ كأن يقول الزوج لزوجته: (أنتِ عليّ كظهر أمي أو أختي) لأنّ معنى الظهار تشبيه الحلال بالحرام.
يقول الإمام نور الدِّين السالمي ــ رحمه الله ــ في الجوهر:-
وَجَعْلُ ظَهرِ زَوجِهِ عَلَيهِ كَظَهرِ أمِّهِ كَذَاكَ أختَيهِ
هُوَ الظِّهَارُ وَهوَ تَعبِيرٌ وَرَد عَن شِدِّةِ التَحرِيمِ حِينَ مَا نَقَد.
فالظهار تشبيه الرجل زوجته في التحريم بإحدى المحرمات عليه على التأييد بالنسب أو المصاهرة أو الرضاع، فالعلة هي التحريم المؤبد.
وكان الظهار في الجاهلية يُعتبر طلاقا، فلما جاء الإسلام أبطل هذا الحكم، وجعل الظهار محرما للمرأة حتى يكفّر زوجها.
وقيل: كانوا في الجاهلية إذا كَرِه أحدهم امرأته ولم يرد أن تتزوّج بغيره آلى منها أو ظاهر فتبقى لا ذات زوج ولا خليّة تنكح غيره، فغيّر الشارع حكمه إلى تحريمها بعد العود ولزوم الكفارة.
وسبب نزول آيات الظهار التي افتتحت بها سورة المحاولة أنّ أوس بن الصامت ــ رضى الله عنه ــ ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة، فجاءت تشكو إلى النّبي ــ  ــ فقالت: يا رسول الله: إنّ أوس بن الصامت تزوّجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني ، ونثرت له بطني ، جعلني كأمّه عنده ، فقال لها ــ  ــ: (ما عندي في أمرك شيء) فقالت: اللهم أني أشكو إليك ، فنزل قول الله ــ  ــ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.، فقال رسول الله ــ  ــ لأوس: (اعتق رقبة)، فقال: ما لي بذلك يدان، قال: (فصم شهرين متتابعين)، قال: أما إنّي إذا أخطأني أن آكل في يوم ثلاث مرات يكلّ بصري، قال: (فاطعم ستين مسكيناً)، قال: ما أجد إلاّ أن تُعينني منك بعون وصلة، فأعانه النّبي ــ  ــ بخمسة عشر صاعاً حتى جمع الله له.
والظهار حرام وهو كبيرة من الكبائر، فيه اعتداء على حق الله ــ  ــ في التحريم والتحليل، وجور وظلم للمرأة.

وللحديث بقية.


قاضي المحكمة العليا [email protected]