الجزائر ـ العمانية: قدّم مجموعة من أساتذة الفلسفة بجامعة الجزائر، خلال ندوة نُظّمت بالمركز الثقافي بالجزائر الوسطى، قراءة في كتاب “فلسفة الفعل.. من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد”، وهو كتابٌ جماعي أشرف عليه د.بشير ربوح. واستعرض الباحث المتخصّص في الفكر العربي المعاصر صادق عباس، السياقات التاريخية لتطوُّر فلسفة الفعل، بداية من الفلسفة اليونانية، التي لم تُعطِ أهمية كبرى لهذا المفهوم، نظراً لاعتمادها على الجانب التنظيري التجريدي، وذلك لأسباب فكرية وفلسفية، باستثناء بعض المحاولات التي قام بها أرسطو. ورأى أنّ المنعطف الذي أسّس لفلسفة الفعل مثّله ديكارت، الذي أطلق فكرته الشهيرة “أنا أفكر إذن أنا موجود”، ثم بدأت فلسفة الفعل تنفتح على ميادين أخرى كالفيزياء، مع فرانسيس بيكون، والجانب السياسي، مع ميكيافيلي. وأوضح الباحث أن كارل ماركس قد مثّل البعد الاقتصادي لهذا المفهوم، عندما نظر إلى فلسفة الفعل على أنّها فلسفة العمل (البراكسيس)، ومعه أخذت فلسفة الفعل معناها الاقتصادي، على أساس أنّ العمل هو المحدّد لكلّ العلاقات الأخرى. كما تناول عباس مفهوم فلسفة الفعل في الفلسفة البراغماتية، ولدى منظّري فلسفة اللُّغة، وعلى رأسهم صاحب نظرية الفعل التواصلي، يورغن هابرماس. أما مداخلة أستاذ الفلسفة أحمد بامو، فركزت على مفهوم فلسفة الفعل لدى بعض الفلاسفة الغربيين، على غرار نيتشه، وبول ريكور، وحنا أرندت، وإريك فروم. وخلص إلى أنّ الفعل الفلسفي يجب أن لا يكون مبهماً، أو صادراً عن ذات واهمة، مع إقراره بأنّ فلسفة الفعل، هي بالأساس، فلسفةٌ غربية. من جهته، تناول خميسي صابري في مداخلته حول سؤال الفعل في الفكر العربي المعاصر، مجموعة من النماذج الفلسفية والفكرية العربية، انطلاقاً من حديثه عن المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي يرى أنّ العمل وحده هو الذي يخطُّ مصير الأشياء، كما تطرق لهذا المفهوم عند طه عبد الرحمن، مؤكداً أنّ نظرة هذا المفكر المغربي تحمل نفساً تشاؤميّاً، حيث يذهب إلى أنّ العرب لا يملكون فلسفة فعل، حتى عندما يتعلّق الأمر بالفلسفة الكلاسيكية العربية التي يمثّلها ابن رشد، والكندي، والفارابي، وغيرهم، وعلى هذا الأساس انتقده أيضاً المفكر المصري د.حسن حنفي. وعلى خلاف المداخلات السابقة، أشار أستاذ الفلسفة د.بشير ربوح، إلى أنّ فلسفة الفعل تُمثّل موضوعاً جديداً، ولم تُنشر حوله الكثير من المؤلفات في العالم العربي. وحاول التفريق بين بعض المفاهيم مثل فلسفة الفعل والفلسفة التطبيقية، مع اعترافه بوجود علاقة وثيقة بينهما، كما فرّق بين مفهومي الفعل والعمل، على أساس أنّ العمل له علاقة بالروتين. وتساءل ربوح حول الغاية من تفكيرنا في فلسفة الفعل، قبل أن يُقدّم إجابته بأنّ التفكير ليس ترفاً، وإنّما تقف وراءه الكثير من الدوافع، منها الدافع السياسي، حيث نجد أنّ الأنساق السياسية الكبرى، هي، في حقيقة الأمر، وليدة الأنساق الفلسفية الكبرى. وأضاف بأنّ “الفعل الذي يُنتجه النسق لا يُسمّى فعلاً”؛ ذلك أنّ بعض الأنساق الدينية والاجتماعية ترفض، في بعض الأحيان، الأفعال المخالفة لها، مشيراً إلى أنّ مفهوم الفعل يُعدُّ واحداً من المفاهيم التي طردها النسق، ولهذا فنحن، كما يرى، نتناول فلسفة الفعل، لأنّنا نريد أن نفكر خارج الأنساق. كما أننا نفكر في فلسفة الفعل، حتى ضد الأنطولوجيات، من أجل الخروج من أزمة الإنسان المعاصر؛ لأنّ الأنطولوجيات لا تعدو كونها مجرد عكازات نتّكئ عليها لفهم فلسفة الفعل. وأشار ربوح إلى وجود نصوص تراثية فلسفية رائعة يمثّلها الفارابي، والكندي، وابن سينا، وابن طفيل، يمكن أن نشتغل عليها، ونعيد حرثها وزرعها باستخدام أسمدة جديدة تُبقيها داخل نهر الحياة، كما أنّ هناك نصوصاً معاصرة، يُمكن أن تصلح لفلسفة الفعل، يُمثّلها حسن حنفي، ومالك بن نبي، ومحمد أركون، وغيرهم. خالصاً إلى أنّ القبض على مفهوم الفعل عسيرٌ جداً، بسبب أنّه يجب أن لا يكون مكروراً، ولا آليّاً؛ وأن الفعل الحقيقي هو ذلك الذي يُنتج معاني جديدة ويتصارع مع المعاني البائدة.