ذكرنا في الحلقة السابقة أنه إذا استمر الشقاق بين الزوجين، ولم يثبت الضرر من أحدهما تعيّن المحكمة حكمين للإصلاح بينهما والحكمان اللذان تعينهما المحكمة، إما أن يكونا من أهل الزوجين، وهذا هو الأصل، لأن أقارب الزوجين أقدر على الإصلاح بينهما، إذ بإمكانهم استقصاء أسباب الخلاف بين الزوجين والاطلاع على مكامن الداء التي لا يطلع عليها الآخرين.
واستدل من ذهب إلى اشتراط أن يكون الحكمان من أهل الزوجين ،بظاهر الآية الكريمة:"فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا".
وما روي أن عقيلاً تزوج فاطمة بنت عتبة، فتخاصما فجمعت ثيابها، ومضت إلى عثمان فبعث حكما من أهله "عبدالله بن عباس" وحكما من أهلها معاوية بن ابي سفيان فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فلما بلغا الباب كانا قد غلقا الباب واصطلحا.
يقول سيد قطب:"ليبعث حكما من أهله يرتضيه، وحكماً من أهلها ترتضيه، يجتمعان في هدوء، بعيدين عن الانفعالات النفسية، والرواسب الشعورية، والملابسات المعيشية، التي كدرت صفو العلاقات بين الزوجين، طليقين من هذه المؤثرات التي تفسد جو الحياة، وتعقد الأمور، حريصين على سمعة الأسرتين، مشفقين على الأطفال الصغار، بريئين من الرغبة في غلبة أحدهما الآخر، راغبين في خير الزوجين وأطفالهما المهددة بالدمار، وفي الوقت ذاته مؤتمنين على أسرار الزوجين لأنهما من أهلهما، لا خوف من تشهيرهما بهذه الأسرار".
وإذا لم يوجد من أقارب الزوجين من يصلح بينهما، جاز للمحكمة تعيين حكمين من غير أهل الزوجين ممن تتوفر لديهما القدرة على الإصلاح.
وعلى المحكمة أن تحدد مدة للحكمين لا يداع تقريرهما ـ خشية إطالة النزاع ـ يجتمعان خلالها بالزوجين لمناقشة الخلاف الواقع بينهما والتوصل إلى صلح يرضي الطرفين.
.. وللحديث بقية.

د/ محمد بن عبدالله الهاشمي
قاضي المحكمة العليا
[email protected]