[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/zohair.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]زهير ماجد [/author]
يخاف الغزاة من الذكريات .. كلما تذكروا ماضيهم هلعت قلوبهم .. هنالك بحر من الارتكابات المشينة، بالنسبة إليهم في مراحل سطوتهم الأولى يعتبرون الأمر انتصارا، أما الفريق المهزوم فيستجيب للمرحلة الجديدة، لكنه عازم على شيء ما سوف يستعد له كي لا يفشل فيه.
لأننا لم نعش مرحلة الحروب الصليبية فنحن نقرأ عنها ما تيسر من كتب نأنس لأسماء لعبت أدوارا فيها مثل صلاح الدين الأيوبي. ثمة حروب كثيرة لم نعشها أيضا (مسرح الأرض مليء بالحروب)، من شارك بحرب يعرف آلامها، ومن عاشها دون أن يشارك يشعر مضاعفة كونها نزلت على رأسه. يبدو أن العالم يحتاج دائما إلى حروب كونها وسيلة تذكر بفقدان الأمل بكلمة لا معنى لها اسمها السلام الذي هو في حقيقته حرب باردة فيما الحرب سلام ساخن.
لا نريد الحرب لأحد، لكن هنالك من يعززها بلا انقطاع، أليست أفعال الأميركي مثلا دفعا لها..؟ أليس ما يفعله الإسرائيلي من استفزاز في سوريا ولبنان مثلا دعوة للمنازلة على قاعدته هو وضمن خططه..؟ يوم ضربت إسرائيل مدرسة "بحر البقر" في العام 1968 في مصر وقتلت عشرات الطلاب، أمر عبد الناصر بالرد عليها بقصف مدرسة في تل أبيب، جلس وزير الحربية آنذاك محمد فوزي يقنعه أنها عملية استدراج إسرائيلية لما هو أكبر .. القادة العسكريون يعرفون تفاصيل كهذه، يرمون إلى أبعد من اللحظة يتقنون متى يكون الرد أو لا يكون، ومتى تشن الحرب.
يخاف الغازي من الذكريات إذن، ومع هذا يكرر تاريخه إن تمكن من تكراره .. لا يشبع من السطو على الشعوب ليس لأسباب اقتصادية وإنتاجية فقط ـ كما تقول بعض النظريات عن سبب الحروب ـ وإنما لقهر الناس، لتركيعهم أمام جبروتها، لقتل الثقة بالذات. هكذا حاول الأميركي في العراق عندما اجتاحت جحافله، فجأة انتصب العراقي شاهرا شجاعته التي أخذت قيلولة قبل أن تتنشط وتأخذ جرعة القوة الزائدة. صور كثيرة لعملية اغتيال الجنود الأميركيين الذين وصلوا إلى مرحلة الاحتباء التام في مدرعاتهم التي وجد العراقي حلا لتدميرها.
ويوم كانت الطائرات الأميركية تحرق حقول وبساتين فيتنام، وتظن أنها أبادت من بداخلها، ما أن تسكت الطائرات حتى كان يخرج المقاتلون الفيتناميون من بين حمم النار مثل العفاريت لينقضوا على الجنود الأميركيين.
كثيرة هي أخبار الغزاة المدونة في كتب، البطل المقاوم مذكور أيضا .. يدرك الغزاة أن غزواتهم ضرورية، وقد يجدون فيها الفعل الذي يجب تنفيذه .. عندما قضى القائد الروماني سيبيون على البطل القرطاجي هنيبعل أصابه الحزن لأنه لم يعد هنالك أعداء لروما، كما قال. هكذا يخترعون الأفكار، القوي لديه مساحة هائلة من الأفكار التي تخطر على باله كونه يستطيع تحقيقها كما يعتقد بكل بساطة طالما أن الشعوب مجرد تجارب له، وفي عصرنا هذا تجارب في حروب لأنواع السلاح الجديدة الفتاكة، هل نصدق أن حروبا تقام لهذا الغرض؟!
القادة الكبار لا ييأسون أبدا، ثمة خلايا في جسد الأنسان المقهور تحرضه على فعل مقاوم، تحركه للقيام بكسر الفكرة الماكرة للغازي عن استسلامه .. كثيرة هي بالتالي الثورات التي نجحت وحققت غاياتها ووصلت إلى أهدافها وجعلت الغزاة على الدوام أمام فكرة الخوف من ذكرياتهم المشينة.