[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/khamis.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خميس التوبي[/author]
ما كشفت عنه الحكومة السورية من مقابر جماعية تضم آلاف المدنيين السوريين الذين أبادتهم آلة الحرب التابعة للتحالف الستيني بقيادة الولايات المتحدة في محافظة الرقة، بالإضافة إلى توالي الاعتداءات على المدنيين في ريف محافظة الزور واستهداف بلدة هجين بالمحافظة بالفوسفور الأبيض، ليس مثيرًا للدهشة والاستغراب بأن يكون المدنيون هدفًا بهذه الصورة المروعة، ما دام الهدف المراد تحقيقه هو أبعد من ذلك، ويتجاوز الجانب الإنساني وحقوق البشر. ومرجع عدم الدهشة والاستغراب هو أن المدنيين السوريين ليس هم أول المستهدفين ولن يكونوا آخرهم، فتاريخ الولايات المتحدة تشهد عليه جنبات الأرض الأربع.
إن المثير في الأمر هو سرعة سقوط أقنعة التآمر على سوريا، وافتضاح المشاريع الاستعمارية التي بُطِّنت بها المؤامرة الإرهابية، وهذا ما كان ليكون لولا الصمود الأسطوري لسوريا شعبًا وجيشًا وقيادةً، والتحول السريع من حالة الدفاع إلى المواجهة ومباغتة المتآمرين عليها، فالتكتيكات والمهارات القتالية العالية والخطط العسكرية المحكمة والمتقنة التنفيذ للجيش العربي السوري هي التي أحدثت الفارق مع دعم الحلفاء المخلصين، وسرَّعت من سقوط أقنعة التآمر، فمن كان يتصور أن تنتهي شماعة التدخل الصهيو ـ أميركي والغربي والإقليمي في الشأن الداخلي السوري إلى هذا الوضع المخزي والمذل، وتتكسر على صخرة الصمود السوري فيظهر الوجه الحقيقي لمخطط التآمر، حيث مثل النجاح السوري في إلحاق الهزيمة بالإرهاب التكفيري وتنظيماته وفي مقدمتها تنظيما "داعش والنصرة" أول سقوط للأقنعة، وذلك بتمكن الجيش العربي السوري من تطهير حوالي خمسة وتسعين في المئة من أرض سوريا من الإرهاب التكفيري، واستعادة زمام المبادرة، الأمر الذي أحدث انكسارًا هائلًا في العمود الفقري (ونعني به الإرهاب التكفيري) الذي بُني عليه مخطط التآمر، ما نتج عنه سقوط متوالٍ لباقي الأقنعة، ومنها قناع "دعم الشعب السوري ومساعدته حتى تحقيق تطلعاته" عبر حل سياسي يثمر اتفاقًا على تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات، وصياغة دستور سوري جديد وهكذا، ليجد الشعب السوري نفسه أمام متاريس ومراوغات لتعطيل الحل السياسي، وإفشال المؤتمرات والمحادثات المتعلقة بالحل السياسي عبر البيادق الشطرنجية المطلق عليها وصف "معارضة" والتي تم تسويقها لأمرين لا ثالث لهما بعدما غُذِّيت وسُمِّنت في مطابخ استخبارات دول التآمر، الأول: تولي تنفيذ أهداف المخطط التآمري، وتدمير مؤسسات الدولة وتحويل وجهتها إلى اهتمامات أخرى غير التنمية ورعاية مصالح المواطنين، وتوقيع صكوك التبعية للصهيو ـ أميركي والغربي، على النحو الذي يبدو في كل من العراق وليبيا، وطبعًا هذا في حال نجح الإرهاب التكفيري في إسقاط الدولة السورية. الأمر الثاني: عرقلة وإفشال أي جهد سياسي لا يخدم المصالح الصهيو ـ أميركية والغربية، ولا يحقق الأهداف والمشاريع الاستعمارية، على النحو الذي شاهده وتابعه العالم بأجمعه في مؤتمرات جنيف وفيينا وأستانا وسوتشي، وتبادل الأدوار، وكيف أدت بيادق المعارضة دورها المعطل بالوكالة عن أسيادها.
ولعل ما يؤكد هذا السقوط وتداعي مخطط التآمر بأكمله، هو محاولة الرهان على مكونات اجتماعية سورية يبدو أنها كانت مستعدة وتنتظر مثل هذه اللحظة لتطعن في ظهر الوطن السوري طعنة غادرة، معلنة بيع ذممها، وحلمها بأن تكون نواة تقسيم سوريا، كما هو حال الميليشيات الانفصالية الكردية، وفي سبيل ذلك لم تتورع عن تعاونها مع تنظيم "داعش" الإرهابي، مكونة معه طابورًا خامسًا، بإشراف أميركي، في محاولة للملمة شتات الإرهاب وتعويمه مجددًا.
لذلك استهداف المدنيين بصورة بشعة تعبير واضح عن هستيريا الهزيمة والانكسار لمخطط التآمر، والتحرك نحو تدارك هذه الهزيمة ولو كان على حساب دماء المدنيين وجثثهم، لأنها ستكون بداية سقوط الهيمنة وعقلية الغطرسة للغرب الاستعماري، وهذا ما يحسب حسابه، فميل الكفة لصالح محور المقاومة سيترتب عليه نتائج كثيرة منها عودة سوريا أقوى عن ذي قبل، بل ستتعزز قوة المحور، وإعلان ولادة نظام عالمي جديد، لكن المقابر الجماعية والمجازر بحق المدنيين السوريين في الرقة ودير الزور وغيرهما لن تمحى، وإنما ستكون إضافة إلى رصيد ما ارتكبته آلة الحرب الأميركية والغربية من مجازر مروعة بحق شعوب العالم من أجل محاولة فرض الهيمنة الأحادية الآيلة إلى الزوال.

[email protected]