مروة بنت يحيى المغيرية
تُعنى المؤسسات الأمنية على تدرج أقسامها وتنوع أعمالها بالحفاظ على الأمن القومي من أن يمسه ضر أو أن يلوث سلامه أذى إلا أن تطور العصر وتنوع مصادر الثقافة والمعرفة أدى إلى ظهور توجهات أمنية جديدة تتزامن جنبا إلى جنب مع التطور التقني والمعرفي في مجتمعنا العماني.
ويعتبر (الأمن الفكري) إحدى مجالات الأمن الحديث والذي ظهر مع تطور وسائل التكتولوجيا والإعلام التي جعلت العالم قرية صغيرة يختلط فيه الحابل بالنابل وتتشابك فيه الثقافات العالمية مع نظيرتها المحلية، فأصبح العرب اليوم يحتفلون بأعياد لا تمت إلى عرفهم أو دينهم بشيء كأعياد رأس السنة وعيد الحب.
وبما أن مجتمعنا العماني جزء لا يتجزأ من العالم العربي فإنه لم يكن بمنأى عن تلك التحولات الثقافية والدينية والتي تمس بعقيدته قبل تراثه، ولقد بات الأمر جلياً بأن الحفاظ على الأمن الفكري أمر بالغ الأهمية و خصوصاً لدى فئة الشباب كونهم في مرحلة عمرية يدفعهم فيها الفضول لإعتناق مختلف الأفكار والتوجهات التي تختلف تمام الإختلاف عن ثقافتنا وهويتنا العمانية.
إن الأمن الفكري هو سلامة فكر الإنسان من الانحراف، أو الخروج عن الوسطية والإعتدال في فهمه للأمور الدينية، والسياسية، والاجتماعية؛ مما يؤدي إلى حفظ النظام العام، وتحقيق الأمن، والطمأنينة، والاستقرار في الحياة السياسية، والإجتماعية، والإقتصادية وغيرها من مقومات الأمن الوطني، وهكذا عرفه الدكتور عبد الحفيظ المالكي في كتابه (نحو بناء إستراتيجية وطنية لتحقيق الأمن الفكري في مواجهة الإرهاب).
وقد حظي هذا المفهوم بأهمية عظيمة كونه يرتبط بمفهوم الأمن بشكله الواسع والمتشعب، ولما للأفكار من سلطة قد تؤدي في تدرجها إلى هز القناعات الفكرية أو الثوابت العقدية أو المقومات الأخلاقية والإجتماعية والتي هي عماد الأمن الوطني، كما ينبغي تكثيف الجهود لحماية فكر الشباب من كافة ما يمس أخلاقهم وقيمهم وهويتهم ومن كل فكر شاذ منحرف ومتطرف.
وتعتبر وسائل الإعلام اليوم سلاحاً جباراً وسبيلاً من سبل تعزيز الفكر ونشر الثقافة في المجتمعات، ومن النظريات الإعلامية الجديرة بالذكر (نظرية الرصاصة) أو (الطلقة السحرية)، والتي تتلخص في أن تأثير الإعلام بشكله الشامل يشبه في تأثيره تأثير الرصاصة، حيث أن الجمهور يتأثر تأثيراً مباشراً وتلقائياً بما يستقبله من وسائل الإعلام المختلفة.
وتقوم هذه النظرية على تفسير علاقة الانسان بوسائل الاعلام بأسلوب فيه الكثير من التبسيط للطبيعة الانسانية والكيفية التي تعمل من خلالها النفس البشرية. ورغم الإنتقادات المشككة في هذه النظرية إلا أننا لا يمكن أن ننكر الدور الفعال لوسائل الإعلام في التأثير على الفكر وتوجيهه.
ومثالاً على ذلك الدور الذي تقوم به الأفلام السينمائية في التشجيع على الإنحلال الأخلاقي أو الترويج لمواد ضارة بالصحة والحث على اقتنائها واستخدامها، ونشرها لثقافة الجريمة وسبل تحقيقها.
إن المطلع والمتابع للمجتمع لا يمكنه إغفال أخبار الجرائم ابتداء بالسرقات وانتهاء بجرائم القتل والتي سببها الأكبر الثقافة المكتسبة من الإعلام.
إن الحاجة ملحة وبلا شك إلى تظافر الجهود من كافة شرائح المجتمع لتحقيق الأمن الفكري، وللحفاظ على الهوية العمانية من المساس أو الضرر.
ولقد أولت حكومتنا الرشيدة بالغ الإهتمام بالجانب الفكري بشكل عام وبالشباب العماني الذين يعتبرون لبنة هذا المجتمع بشكل خاص.
ففي مقولة لجلالة السطان المفدى يقول: إننا وقد وضعنا نصب أعيننا دائماً خدمة بلادنا، وراحة ورفاهية مواطنينا بعزيمة لا تعرف الكلل أو الملل مستمدين قوتنا من قيمنا وتقاليدنا، يظهر جلياً حرص جلالته على التمسك بالهوية العمانية وتقاليدها في كل صرح وخلال كل خطبة منبر داعياً العمانيين إلى التمسك بها حيث يقول أيضاً: ان العمانيين تربطهم أواصر التمسك بالعقيدة الإسلامية الراسخة، وعرى الترابط الاجتماعي الودود، ومصلحة هذا الوطن الحبيب.
وقد شهدت السلطنة دعماً متواتراً للشباب وتوجيها لطاقاتهم فأقيمت المشاريع التي توجه فكر الشباب وتشغل أوقاتهم بالنفع لا سيما الجهود الرامية إلى الرقي بمستوى الشباب الثقافي والمعرفي فرفدت البرامج التعليمية وأنشئت المكتبات التثقيفية وزودت الأماكن العامة بسبل الوصول إلى المعرفة والتعلم بأسهل الطرق وأنجعها، كما أنشئت الجلسات الحوارية الشبابية والتي تهدف إلى فتح قنوات تواصل هادف وحوار منتج مع فئة الشباب، والعمل على تعزيز قيم الهوية وترسيخ سبل المواطنة لديهم، بالإضافة إلى توعيتهم بالتشريعات والقوانين المختلفة، وبحث احتياجاتهم وتطلعاتهم الراهنة والمستقبلية، وتوفير بيئة حاضنة لأفكارهم وخبراتهم بما يسهم في تطوير التشريعات ويعزز مواهبهم ويرسخ القيم لديهم، ويكفل إشراكهم في عجلة التنمية الوطنية.

* ينشر بالتعاون مع اللجنة الوطنية للشباب