خلفان بن محمد المبسلي:
قيل في بعض الأمثال السائدة: "رب صدفة خير من ألف ميعاد"، فبينما ذات يوم كنت أمارس نشاطا رياضيا -كعادتي- على أحد شواطئنا الجميلة، فإذ أصدف صاحب قديم؛ يرشّني بوابل من اللوم والعتاب، على التقصير في الاتّصال والسؤال عن أحواله. لم أجد ما أقنعه به سوى القول بأنّ الحياة أخذتني فاضطررت إلى الصمت، وأكّدت له أنّ الصمت ليس نسيانا، فأعجب ببراعتي في الكلام، ولم لا؛ أليست الكلمة الطّيّبة صدقة تسلّي النّفوس وتزيل غضب الغاضبين، فيتحوّل بذلك العتاب سماحة.
تبين بأن شوق اللقاء كان حارا بيننا، فقررت استضافته في أحد المطاعم الراقية بشاطيء القرم، على إطلالة بحر عُمان، حيث الهدوء والسكينة واسترجاع الماضي التليد، حين كان البحر صديقا وفيا لعشاق الطبيعة، قبل أن تعرف المشاريع طريقها إليه، وتشق التطورات الراهنة مسارها إليه. رشفة من الشاي الزنجبيلي أعادت ذاكرة صاحبي إلى أزمنة غابرة، ملؤها التفاؤل والأمل والخير والسعادة.
تجاذبنا أطراف حديث شيّق أبهى من ورود الربيع، انتهى بسؤال وجّهه إلي قائلا: هل تتصور أن الابتسامة الصادقة علاج كفيل لدفع الأحزان والأوجاع؟ وكان صاحبي السبعيني يعرف جيدا فلسفتي في الحياة القائلة بأنه: " يجب أن نواجه أحزاننا وآلامنا وهمومنا، بابتسامة هادئة لطيفة، ولو كانت متصنعة لغرض نفسي في نفوسنا". لتخفيف حدة الحزن المضر بالصحة، حيث تلعب الابتسامة دورا كبيرا، ولذا فهي تعد وقاية من الأمراض أو الوقوع في فخها، وعليه لا بد ان نصبر ونصابر ونبحث عن مخارج وحلول فاعلة من شأنها أن تهيئ لنا آفاقا جديدة تدعو إلى التفاؤل الجاد في الحياة وتعزز ثقتنا بالذات وإيماننا الصادق بأنّ القدر خيره وشره من الله تعالى وأنّ كل ما يجري على البسيطة هو تسيير حقيقي وفعلي لما قدر من قبل الله على العباد، وما يجب فعله هو التوكل على الله والأخذ بالأسباب والتّحلّي بسياسة مثالية.
أجاب صاحبي على غير عادته: من الصعوبة بمكان أن يبتسم الإنسان وهو مشبع بالحزن، حين يرى كوارث الطرق أو ضرائب الحياة، أو مصائب اقتصادية حلّت به، أو يشاهد تغيّرا سلبيّا في نمط حياته، أو يفقد شخصا عزيزا عليه، والأمر هو ذاته كمن يشعر بعدم الأمان والاطمئنان في بيته، فيفتقر إلى أدنى حدّ من السعادة. على كلّ، إنّ الشعور بالخيبة والذنب يزداد لدى الإنسان ذي التجارب الكثيرة في الحياة حين ينظر من حوله، فيجد أنّ نيران الفتن تتأجّج في بعض الجدران، فتخرج الفئران من جحورها لتولع لهب الخراب.
تعجبت من فلسفة صاحبي وقناعاته العجيبة، ليصبح النقاش محتدما بيني وبينه وتستعر حرارة الحوار لأنّ الواقع المرير يدعم أفكاره. ولمّا أحسّ بأنّني متاثّر بأقواله تنفّس الصعداء وقال: ثمة أمورا ليس لها حلول، لتبعثر مشاعرنا بين مطلب صالح، ونزعة طالح. وفي هذه الظّروف يختلط الحابل بالنابل. ومن جراء ذلك يزول طيب الحياة ورغد العيش، فيجري المرء جهلا وراء السراب حتّى إذا ما جاءه لم يجده شيئا، فيضيع الجهد ويفلت الشيطان من عقاله. والكلّ يعلم أنّ الله سبحانه وتعالى يدعونا على اتّقاء فتنة لا تصيب القائمين بها خاصّة.
حاولت أن أهدئ صاحبي قائلا: يا عزيزي، ألم تفقد عزيزا يوما ما، أم أو أبا أو أخا أو زوجا؟ في هذه الحالة ألم يرزقك الله نعمة النسيان، لتستمر سفينة الحياة؟ وإذا كان الأمر كذلك فلما التشاؤم؟ أليس المفيد أن تجابه الواقع بنشاطك وحيويتك؟ لقد بسط الله لعباده خيرا كثيرا، وقدر الرزق الوافر وقسمه بين العباد، فابتسم لتكسب كل من حولك، فابتسم لليوم ولغد وللمستقبل؛ فلابتسامتك دور عظيم في حياة هانئة دون أحزان، فهي سرّ، ومفتاح لكثير من أمور النجاح.
إنّ شعور صاحبي بكلّ هذه الأمور وما يمكن أن يكسبه من مزيد الوعي والمسؤوليّة إزاء السعادة قد جعله يصبّ قطرات دمع، فرفع تلقائيّا يديه داعيا الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا الافراح والمسرات، وأن يمدّنا جميعا بالسعادة والهناء والصحة والعافية. هذا هو التفاعل الجميل في الترغيب على الفرح، أعني تخفيف المعاناة والآلام والنزول إلى مطالب النفس ورغباتها من السعادة فلنبتسم؛ لتستمر سفينة الحياة..!!
[email protected]