د.جمال عبد العزيز أحمد:.. ويضطرب معه القلب اضطراباً:(يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً) هذا تركيب إضافي، يشعر المرء معه بانخلاع الفؤاد، واهتزاز وضعضعة الجسد، عندما يرى الأرض على اتساعها، والجبال على صلابتها، وحجمها، وهي تنهار ككثيب الرمال، وتندثر، وتنتثر، وهي التي كان يُضرَب بها المثل في الثبات، فيقال لك: كن كالجبال الراسيات، الراسخات، لكنها بين يَدَيِ الله ترتجف، وتكون كالعهن المنفوش، وكالرمال التي تُذَرُّ في طبقات الجو، وتندثر منهارة لا قيام لها في أطواء الأرض، وهو أسلوب خبري، مُدْمٍ للقلب المؤمن، مُدْمِعٌ للعين الخاشعة، لا ينام معه صادقُ الإيمان، ولا يهنأ بعيش خاشعُ الجَنان، كلما تذكَّره أو عاش في سياقه، وتلاهُ بِوَعْيٍ وقلب حاضرَيْن، باكيَيْن، صادقَيْن. ثم ذكَّرهم بنعمة الله عليهم، وهو بعْث رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) مذكِّرًا ونذيرًا، وما كان يواجه الخلق به كل من أرسلهم الله من الرسل والأنبياء، وما كان يقابل به الرسول من قريش من عنت وصد وعرقلة وكفر، كما كان من فرعون مع سيدنا موسى، حيث جاء منه العنت المتمثل في: التكذيب والعصيان، والصد عن الرحيم الرحمن، فقال بأسلوب التوكيد الذي يدخل عمق القلب، ويتعرف منه على جليل هذاك المعنى، ويكشف عن مآل الكافرين الصادِّين عن سبيل الله، وسبيل رسوله الكريم:(إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم) بالتوكيد ونون العظمة، (كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً) وبأسلوب التشبيه هذا، أي فلستم بدعا من البشر، شأنكم التكذيب، وطريقكم الجحود وعدم الإقرار والاعتراف والسجود، والفاء هنا للترتيب والتعقيب الدالِّ على ظلام العقل، وانعدام الفكر، وقلة العلم، ومن ثَمَّ ضياع العمر، والنتيجة التي هي ناموس السماء الدائم لكلِّ مكذب:(فأخذناه أخذاً وبيلاً) على سبيل المفعول المطلق المبين لنوع الأخذ، وهذا التوكيد هو لون من ألوان توكيد الجمل الفعلية، ثم يأتي أسلوب التعجب السماعي:(فكيف تتقون؟) أي كيف يحصل لكم الفكاك والنجاة من يوم القيامة اليوم المهيب الرعيب، ذي القدر العجيب، الذي الولدان فيه تشيب، وتذوب له العظام، وجهنم لها تُذِيب، وحيث تنفطر السماء لا تقوى على الوقوف، فتقع على الأرض، وتفتَّح أبوابها، وتندثر وتنتثر نجومها، وتنطفئ وتكوَّر هلعا وخوفا شمسها، وهو أمر لا بد من وقوعه، ولا حائل دون حصوله:(فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً، السماء منفطر به كان وعده مفعولاً) بهذه الأساليب المتتابعة التي تأتي دليل على قدرة الله وقيوميته، والسماء هنا قد عُبِّرَ عنها بالمذكر.جاء ذلك في ثوبه مؤكدًا بـ(إنَّ)، وبالتقديم والتأخير:(إن لدينا أنكالاً وجحيماً)، وبأسلوب العطف والوصف وبعده العطف:(وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً)، أي أن هذا هو ما ينتظركم يا أرباب النعم، فمن لا يعير الدين اهتماماً، ولا يعرف، ولا يُلِمُّ بشيء من مطالب السماء إلماماً، وحياته هائمة في الغي والتيه هياماً، ولا يعرف إلا متعة ونياماً، ولا يقوم لله في الليل قياماً، فهو رهن الجحيم ونارها لا يروم عنه، ولا يعرف هرباً، ولا يستقر منامًا.ثم تأتي بعد ذلك مظاهر الآخرة لتهز الفؤاد اهتزازاً، ويضطرب معه القلب اضطراباً:(يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً) هذا تركيب إضافي، يشعر المرء معه بانخلاع الفؤاد، واهتزاز وضعضعة الجسد، عندما يرى الأرض على اتساعها، والجبال على صلابتها، وحجمها، وهي تنهار ككثيب الرمال، وتندثر، وتنتثر، وهي التي كان يُضرَب بها المثل في الثبات، فيقال لك: كن كالجبال الراسيات، الراسخات، لكنها بين يَدَيِ الله ترتجف، وتكون كالعهن المنفوش، وكالرمال التي تُذَرُّ في طبقات الجو، وتندثر منهارة لا قيام لها في أطواء الأرض، وهو أسلوب خبري، مُدْمٍ للقلب المؤمن، مُدْمِعٌ للعين الخاشعة، لا ينام معه صادقُ الإيمان، ولا يهنأ بعيش خاشعُ الجَنان، كلما تذكَّره أو عاش في سياقه، وتلاهُ بِوَعْيٍ وقلب حاضرَيْن، باكيَيْن، صادقَيْن. كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ـ جمهورية مصر العربية [email protected]