[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]
لا يختلف اثنان بأن ماضي البشرية شاهد يعتدّ به على هويّة البلاد ووجودها الحضاري بين الأمم وما أحوج الإنسان إلى آثار أجداده ، في عصر تتصارع فيه الحضارات، ويسعى القويّ فيه إلى طمس مزايا الضّعيف الحضاريّ، من أجل أن تسود حضارة معيّنة على حساب أخرى والحال أنّه حيث يوجد قوم يوجد تاريخ، وحيث يوجد التّاريخ توجد الحضارة نقول هذا ونحن نفكّر على سبيل المثال في أفلاج عمّان وقيمتها التّاريخيّة والحضاريّة الممتدة بامتداد تاريخها العريق.
إنّ أفلاج عمان تعتبر إرثا تاريخيّا وحضاريّا يستحقّ الاعتزاز به وهي من الآثار الخالدة التّي تزخر بها عماننا في معظم ولاياتها، ومزار سياحيّ يقصده كل من يزور عمان ، لأن الأجداد القدامى أولوا عناية خاصة وتقديسا مميزا للأفلاج وذلك بحفرها وتنظيمها تنظيما دقيقا ، يدهش كل زائر فيتعجّب من مهارة العمانيين وحذقهم لآلية الأفلاج.
كانت لنا جارة في عهد الصّبا ـ رحمة الله عليها ـ كانت تحدثنا عن آلية عجيبة تستعمل في تسيير الأفلاج، فتقول "أذكر أنّ أجدادي القدامى أول ما بدأوا بشق قنوات الأفلاج كانوا يسيّرون الفلج على ورق الموز" وإن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على فرحتهم بقطرة الماء التي بدأت تنساب إليهم رويدا رويدا حتى استطاعوا شق قنوات أكثر ومجار وعيون أدّت إلى حفر جداول خاصة لمرور المياه، وهي ما يسمّى بـ"الساقية".
ولعلّ قيمة هذه الأفلاج الحضاريّة هي التّي دفعت حكومتنا الموقرة إلى الاهتمام بالأفلاج وصيانتها والوقوف على آلية توزيعها توزيعا عادلا بين المستهلكين، وذلك بإعطاء كل ما يستحقّ من الحصة دون إفراط ولا تفريط. وهذا ما مكّن المعنيّين بالأمر من الاستفادة منها في عديد الأمور بما في ذلك سقي الأشجار الكبرى والنخيل والخضار والفواكه ، وسقي البهائم والإبل والبقر والغسيل والاستحمام وغيرها من الفوائد التي يطول ذكرها في هذا الصدد والتي كانت موضع اهتمام الجميع.
إنّ هذا الذّي ذكرناه كان في أيام العطاء والخير ووفرة الأمطار، لنجد اليوم أن أفلاجا كثيرة تعاني من (المحل) كان لها شأن عظيم وصيت ذائع على مستوى الولايات فكانت ذات مياه وافرة تسقي الزرع والنخل وأينع بواسطتها الموز والخضراوات وبعض الفواكه فيا ليت الوضع قد استمرّ على ذلك النّحو!
إن الزائر لأفلاج عمان الشهيرة ومنها فلج دارس وفلج اللمكي وفلج الشارق وفلج الردة، والبليدة شرق المضيبي كانت في أيامها تحمل الكثير من المياه وتزخر بوفرتها التي أعانت الزرع والنخل وأشجار الموز والخضار على النمو.
إنّ التّقلّبات المناخيّة الرّاهنة لا تترك أيّ شئ على طبيعته، سواء كان من الجمادات أو من الكائنات الحيّة، وهو أمر يدعو كلّ عاقل إلى التّأمّل والتّفكير فيما يمكن أن تؤول إليه الأمور قريبا أو بعيدا إذ العالم عرضة للجفاف وما يعقبه من مجاعة وسوء التّغذية، والعياذ بالله من مغبّته في ظلّ هذا التّهديد، نرى من الجدير، أن نبذل المزيد من المجهودات لحماية أفلاج عمّان من ضياع المياه وتبذيرها وعبث العابثين بها خاصّة بعد أن تأثّرت بعض المناطق بنقص المياه لمدّة قد تفوق عقدا من الزمن ، وترتّب على ذلك موت كثير من الأشجار أبرزها النخيل وهو أمر لا محالة يدعونا جميعا إلى التّفكير في تحديث الأفلاج ، وحفر الآبار في المناطق المختلفة ، وغير ذلك من الأمور التّي من شأنها أن تضمن لنا مستقبلا يمكن أن يطمئنّ إليه المرء ولنعلم أنّ ناقوس الخطر حين يدقّ ، فإنّ الحكومة ليست الوحيدة التّي يستنجد بها ، وإنّما الاستغاثة موجّهة للجميع.
فلنكن في الموعد!
[email protected]