[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]
لا ريب أن الحياة تحمل من المآسي الكثير، فأينما تولّ وجهك اليوم في هذه البسيطة ثمة أحزانٌ أو شرٌّ مستطير، فليست الاحزان والمصائب التي يصاب بها البشر هي المآسي فحسب بل بعض السلوك من بعض البشر هو صنف من صنوف المآسي التي تمس الآخرين دون ذنب وما أسوأ التكبر إن أصاب بعض مؤسساتنا في مقتل.
إنْ نُولي هذه القضيّة اهتماماً خاصّاً، ونطرق الحديث عنها لتنبيه القارئ وأخذه إلى مزيد العناية بما سنتحدّث فيه، فلأنّ أسلوب التّعامل ليس اعتباطيّاً، ولا يمارس حيص بيص، وإنّما هو أمر ينبغي دراسته.
ونجد من النّاس من هذّبته تربيته الأسريّة فأصبح تلقائيّاً يتصرّف بلباقة، فيحبّه كلّ من عاشره، لا لأنّه يدرّ عليهم القناطير، وإنّما لأنّه قد حذق شيئا بمثابة كنز لا يفنى، وهو أدب التعامل، تبعاً للحديث المأثور عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، القائل بأنّكم "لن تسعوا النّاس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق".
من كان جميل الطباع حسن المعشر على سبيل الحقيقة لا التّزييف والرّياء، لن ترى فيه كبر ولا تسمع منه سبّاً .. وفي المقابل من كان سيّئ الخلق ظنّ أنّ البشر كلّه يجهل ما يعلمه هو، ويفتقر إلى ما لديه هو من ثراء وجمال ومقام .. ومن ثمّ يصبح أنفه في السّماء ولا يدري أنّ قوّته في كون رجله تخطو على الأرض، وأنّه كلّما ارتفع خفّ وزنه.
فاعلم أنه من ركب في هذا البحر من السلوك فهو مضطرب في خُلُقه ويشعر بنقص في شخصه ليصاب بمرض نفسي يغرقه في هذا البحر الذي لا قعر فيه فعلى سبيل المثال حين يحظى زيد بمنصب ربّما ما كان ليناله إلاّ لأن الحظّ كان نصيبه بعد جهد جهيد وتدخّل فلان وفلان، وفي هذه الحالة خاصّة، يتسلّح بأساليب التهديد والعنف تجاه الآخرين، حتّى لا يكتشف، فيفتضح أمره فكأنّ الحصول على منصب يعوّض نقصا في حياته، وللحفاظ على هذا المنصب يبدأ بالإساءة على الآخرين، ليسدّ النقص الواقع فيه ضدّ اشخاص مهما كانت صفاتهم واخلاقهم.
فهو مريض يحتاج الى الشفاء فيتصرّف في نفوذه الوظيفي كيفما شاء كما لو أنّ الحال يدوم، والحقيقة أنّ "بقاء الحال من المحال"، فمن يتكبر على الخلق يكون بذلك قد تكبر على الخالق عندئذ نقول بأنه قد خسر الدنيا والاخرة وذلك هو الخسران المبين.
لا ريب أن كسب المال اليوم أصبح أمراً مضنياً، فاشترى بعض الناس اليوم ذممهم بالمال فغلب تطبعهم على طبعهم حتى باتت المروءة والإنسانية من القيم التّي تنقص شيئاً فشيئاً، وهذا ما نراه اليوم في كثير من المواقع التي نراجع فيها كثير من معاملات شؤون الحياة تبرم في الوجوه ينبئك بشيء من الغرور والتكبر وسخط في التعامل وضعف في الإنجاز وحينما تنظر الى وجوههم كأنك تدرك بأن الدهر قد عضّهم بأنيابه ولكأنه لم يبق لهم سوى البحث عن المال فحسب..!.
إنّ الطبع السليم الذي ترعرعنا عليه منذ الصغر في هذا البلد يجب أن لا يتأثر بمناصب عليا ولا بشهادات علمية كبرى حتى لا يتفوق التطبع على طبعنا وقيمنا ومبادئنا فينفر الخلق منا لسوء تعاملنا أو للتكشير عن انياب الغضب في وجوههم وأن لا نستغلّ مناصبنا لأمور شخصية وعلينا أنّ ندرك أنّ قيمة الموظّف في حسن أداء مهمّته، وفي إعطاء الإنسان ما يستحقّ من حسن معاملة وتقدير، إذ الإنسان في آخر المطاف هو الغاية، وما المناصب والوظائف إلاّ وسائل تجعل هذا الإنسان يتمتّع بإنسانيّته قبل مماته.
ونريد القول هنا بأنّنا كموظّفين إذا تكبّرنا وضيّقنا الحياة على مواطنينا، ولم نفسح لهم الحياة ولو من خلال كلمة طيّبة إذا كنّا عاجزين عن إيجاد الحلّ لمشاغلهم، فإنّنا حقّا قد حرمناهم أقلّ ما يستحقّون.
فعلينا أن نفهم بأن التواضع في تقديم الخدمات وفي استقبال المراجعين قوة يجهلها المتكبرون.

*[email protected]