[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]
كل يغني على ليلاه ، وأنتم على لياليكم تغنون فمنكم من ينتظر وناسة الجمعة، أو سعادة السبت؛ ليفرّغ الإرهاق والتعب وما اكتسب منهما طوال أسبوعه فيخطط مع زوجه وأسرته أو رفاقه كيف سيقضي تلك السعادة، ويربح تلك الوناسة..؟!! أبين فلج دارس والقلعة الشهباء وتلكم الباعة بين ظهورها ..؟ أم بين سلسلة جبال الحجر فيما بين الأودية والهضاب والتلال ..!! أم بين امتداد بحر عمان أو على بحر العرب ..؟ ولربما بعضنا يفكر في التجوال بين حديقة ريام في تلك الهضبة الرائعة وبين قلعتي الجلالي والميراني القابعتين في جبل مكلل بالتاريخ البشري العريق يتوج رحلته بين ربوع سوق خالد طرح كثير من المنتجات بين أرففه فساقه القدر لسوق مطرح التليد العريق ..!! ومنهم لا يلوذ على شئ ولا يخطط في شئ بل يرتاح من شقاء الخدمة والجلوس في داره بين أبنائه وأحفاده يكتفي بأن يناظر العالم من خلال شاشته الصغيرة..!! فعمان كلها واحة غنّاء.
لقد دار الزمان بذاكرتي ، وفتش بين حقائبي ودفاتري ، فاستخلصت من ذلك عبرا كثيرة وعرفت أشياء عن أقدار عجيبة ففي رأسي أسماء وصور لكثير من البشر في كثير من المدن التي زرتها وعرفتها وسكنت بين جنباتها مرتحلا لطلب العلم ملتقيا ثلة من البشر يتشابهون في الصفات ويتسابقون في كسب الأرزاق راضين بلقمة العيش يحدوهم الأمل ليوم جديد يحمل لهم تباشير الصباح فذات يوم بينما أمشي الهوينا عبر أرصفة أحد شوارع القاهرة فإذ بعجوز وصل بها العمر لأكثر من الثمانين عاما، تتكئ على عصا الزمان وتستلقي على أرض الحياة، تبسط فواكه العنب والموز وتنادي من يشتري..؟ فمن يشتري منها ليس لكرم العنب ونضارة الموز؛ بل رأفة بتلك العجوز القانعة بعدد من الجنيهات تعمل دون كلل أو ملل دون أن تسأل الناس أعطوها أو منعوها فتعود أدراجها ظافرة بالبيع غنيّة بالنفس وشاب آخر يطربك بأنغامه فينشد الحرية لك ليكسب منك قرشين بالحلال فتهبه وانت راض عن نفسك بأدائه الشجي الذي قلب مواجعك فأطرب قلبك الدفين لحنايا وطن جميل. يا للقناعة..!! ويا للرضا ..!! من أين اكتسبتم كنوز القناعة..!!؟؟ من أين لكم كل ذلك..؟
وحينما تستنشق الهواء التونسي الطلق وتذهب بعيدا بين غصون أشجار كانت وارفة الظلال تناظر بعينيك تلك الأشجارالتي أسقط الخريف ورقها عنوة وصنع منها منظرا جميلا يطل على شارع (بورجيبه) بالعاصمة التونسية يشبه إلى حد كبير شارع (شانزليزيه) في باريس من حيث التشييد المصمم بطراز هندسي معماري رفيع ، يذهب بك إلى تاريخ عريق يتناغم مع التاريخ المطرحي بمسقط ، إذ يبدو لك طابور من الجالسين كل يجلس تحت أغصان شجرة طلّق الربيع أوراقها ، فاتكأ على جذعها الذي نخره دود السنين ، يضع تحتها طاولة متهالكة بها فراش قديمة وأصباغ من النوع التقليدي وخرق بالية يقوم بتنظيف أحذية المارة ليتقاضى نصف دينار و(يبوس) على يديه راض قانع بما وهب من خير يرسم على تلابيب وجهه البشاشة والسعادة قانع بصنعته التي اكتسب منها خبرة ودراية أكسبته لقمة عيشه يا للهول ..!! ويا للظفر ..!! يبتسم حين تودعه .. فمن أين لك تلك القناعة..!! ومن أين اكتسبت معانيها أيها العجوز الرائع..؟
انتابني ذات يوم شوق خارق للعادة ، فاستقليت سيارتي الصغيرة التي بدأت متهالكة بعض الشئ أخذني مقودها الصغير إلى مدينة عريقة ذات صبغة تاريخية فريدة ، إلى مطرح الكبرى محاولا إيجاد موقف خاص لسيارتي بين أزقتها المكتظة بالمارة والمزدحمة بالسيارات لأقف بعيدا عن تلك الضجة، وأمشي الهوينا متجها إلى السوق العتيق حتى وصلت إلى تلك (الدروازة) العريقة والناس تجلس على مقاعدها ، فإذا بمطرح تداعب المارة بجمال شواطئها وعراقة بواباتها إذ يجلس (الشيّاب) يلعبون لعبة (الحواليس) يضحكون ويتهامسون ويتغامزون غير مبالين بشيء ، والآخر يستظل بظل الدروازة يبيع الشاي للمارة ، يصب لك من تلك (الدلة) العتيقة شايا بنكهة مطرحية ، فإن شئت طلبته زنجبيليا ، وإن شئت بالزعتر الجبلي ذي الرائحة الخلابة ،لتخرج له (مائة بيسة) يأخذها وهو قانع فرح ، يبادلك النكات قائلا دع عنك أنت ضيفنا اليوم بكل بساطة وكل سعادة والابتسامة لا تفارق محياه فيودّعك على أمل أن تأتيه مرة أخرى ..!! وبينما أنظر إلى قلاع مطرح العتيقة إذ بعجوز أخرى تحمل فوق رأسها «قفة خوصية» تسنده بـ (حجلة قماشية) وتضع عددا من البيض الطازج تبيعه للمارة .. ظللت أتبعها وأتفقد مشيتها ، فنفس وجه عجوز حارتنا .. ونفس طاقتها التي تنفجر من مشيتها المتهالكة ، يا لصبرها..!! كيف صنعتم أيها المطرحيون هذه القناعات ..؟!! فحولتم حياة البشر عند لقائكم إلى سعادة ..!!؟؟
وبمحاذاة بحر عمان حيث شاطئ السيب الخلاب ثمة سوق يأخذك بعيدا عن هموم المدينة وتعقيدات الحياة وروتينها الممل ، إذ تسمع أصوات عصافير تُحمل على أقفاص جميلة وتسمع صوت المنادي ينادي سمك سيباوي (جيذر، كنعد) ومنهم من ينادي : تمور عمان بأربعة بخمسة بسته الخ .. هكذا بكل بساطة وتلقائية وعفوية وأريحية يعملون ويكدحون لأجل لقمة العيش بكل قناعة من أين لهم كل هذه القناعة ..؟ من أين لهم كل هذا الإيمان ..؟ إنهم يملكون رصيدا من القناعة يستخدمونه في كل وقت بعد أن فارقت الأمراض أجسامهم ، وطلق الأرق مضاجعهم ، وامتلأت وجوههم سعادة وإيمان فملأوا حياتنا بهاء ورونقا..!!
نجزم يقينا بأنّ هذه الدنيا جمالها وبهاؤها في بساطة مثل هؤلاء يفترشون التراب ويبسطون البسطات فيبيعونك حُبّاً غير موجود ، ويوزعون الابتسامات لدرجة أنني سمعت بائع الفجل ذات يوم يغني بعد أن مد رجليه ووضع يديه على خديه قائلا : (علوه يا زماني) حقا إنني أغبط هؤلاء البشر على رصيدهم السعيد الذي لا ينفد ، فهم صنّاع السعادة حينما يلاقون البشر ، تتسع لقلوبهم دروازة مطرح العريقة حين يتكئون عليها ؛ قانعين بأصالتها ، راضين بمعاصرتها ، فيصنعون من خلال دكياتها أمسيات تخرج بأفكار جديدة صالحة للحياة ! فكلما عظمت نعمة على عبد ، عظم حق المنعم عليه بالشكر ، إنّ العبد لن يبلغ درجة الشاكرين إلّا إذا قنع بما رزق.

[email protected]