د/ خلفان بن محمد المبسلي:
في الثامن عشر من نوفمبر المجيد، حين أخذت الشمس ترسل خيوطها الدافئة على جبال عمان الشامخة وسهولها الفضّية المتآخمة مع رمالها الذّهبية، وإيقاعات طبولها الرهيبة. فإذا بسلطنتنا الغالية تدقّ طبل الكاسر المصرور بحبل الليف المنتشي من جريد النخيل الأصيل مبتهجة بأعياد الوطن وأفراحه. فتتناغم إيقاع الطبول مع كل نغمة تتلوها صوت يهمس للأذنان (أوه، يا عمان) فإذ بطبل الرحماني الواثق بكلّ حميميّة يحدث درداباً يتغنى مع دردابه الصغير والكبير، ذاك الطبل الملقب بسيد الايقاعات الشعبية، ردّاً تنسجم معه أرجل (الرازفين) ارتفاعاً وانخفاضاً في جوّ من الفروسيّة يذكّر بتاريخنا العتيق الموشّح بالبطولات. بطولات كان يقلّدها الرازحون الشعبيون فنتمايل معها كأغصان زيتونة بحرية مع فنّ القصافي ليرتجل بعدها شعر الهمبل... إنّه يوم ليس كسائر الأيام.
يوم احتفل فيه المواطنون بالسلطنة وبقائدها العظيم، الذي أجمع المحللون على بعد نظره ودقّة تخطيطه ومدى إنسانيته وحبه لوطنه، الذي اختار أن يبعده عن زوابع العصر، ليصبح همزة وصل بين أوطان متصارعة، وثلجاً في صدور المتحاقدين. وليس عجباً أن يتّفق السواد الأعظم من خبراء العالم على أنّ عمان ذات سيادة ومكانة مرموقة وأنها تستمد سيادتها وسياستها من تاريخها العظيم الذي يشفع لها ان تتربع العروش وترتدي التيجان. ولهذا كلّه يحق لها في هذا اليوم أن تدقّ طبول الهمبل وأن ترفع العازي على خط قصر العلم العامر وأن تقف شامخة قوية لرزحة الحربيات التي تشهر فيها سيوف النصر، وسلاح الصمع التي أوقفت العداء ووحدت البلاد وطوت صفحة أشرقت بعدها الشمس ونحن نقف صفاً طويلاً لتغرود الخيل مبتهجين بالسلام.
بشروق شمس الثامن عشر من نوفمبر المجيد، كان بلادنا مع موعد فريد .. ألا وهو العيد السابع والأربعين المجيد، بينما والعالم من حولنا غير متآلف ولا متوازن ولا متسق مع فقدان كثير من القيم والمبادئ.
على كلٍّ، إنّ بلادنا اختارت المشي على خطى أجدادنا في فن التعامل مع الآخر دون اندفاع او تهور. عند كلّ محنة تلتقي جبال عمان الشم بسهولها الفضية، وسفوح الوطن بشموخ قلاعها لتخرج برأي حصين منيع لا يدك مقامه، ولا تنتقد حروفه. عندئذ تحتضن مياه بلدي فيتشكل بحر العرب ببحر عمان فينسكب برداً وسلاماً عبر ايقاع عجيب على شرق عمان وغربها في قالب فني متأصل متجذر يسمى فن الندبة يسمع نعيقه من أقصى بحر عمان، من شمال البلاد بتلك الهتافات الصماء التي يقول لسان حالها:(حفظ الله عمان، وقائدها المفدى).
أما مسقط العامرة فترتوي في يوم العيد حلة زاهية من حلل السلطان متوجة بفن الهبوت الوافد من الجنوب والمحمل بعبق اللبان الطاهر ينثر أريجاً للسلطان فوّاحاً عبقاً لعمان وشعبها الكريم .
لقد غدت عُمان بفضل الله تعالى وقائدنا السلطان امبراطورية عظمى، تطرح أفضل الحلول نجاعة لوقف التحارب خارجياً، وتمضي قُدماً نحو طرح السلام في المؤتمرات والمحافل والتجمعات العالمية.
يا له من حضور قويٍّ مستمدٍّ من تاريخها العريق، فلا تجري أشرعتها في مياه البحار إلا بما يشتهي ساستها وقادتها، ولا يهتز لأركان جبالها جزء منه أو حصاة إلا برضى رجالاتها البواسل حماة الحق.
يحقّ لنا اليوم أن نحتفل بأعيادنا ونخيل بلادي باسقة تفرد (زورها) رقصاً وتنتشي طرباً بـ (خوصها) وهي ترتوي بمياه أفلاجنا التي تصل إلى جذورها دون كدر أو همّ فتشرب منه ماء صافياً كصفاء قلوبنا الأشد نقاء.
إذا كانت الأوطان تبنى بالعقول قبل الأيدي، فإنّه يحق لأي مواطن عماني في خارج البلاد أو داخلها أن يفرح بحكمة رجالنا الأوفياء ويبتهج بطريقته المناسبة التي تعبر عن شعوره العظيم بعد طلة مولانا السلطان البهية التي أعادت لحياتنا بريقها وهي ترفل أثواب السعادة والاستقرار .. وكلّ عام وسلطنتنا بألف خير، وكل عام وسلطاننا حكيم الزمان بألف خير.

*[email protected]