للإبداع أصول وجذور يسهل تتبعها من خلال تتبع سيرة حياة ونشأة المبدعين. وتبين حياة وطفولة جعفر طوقان وانتمائه لاسرة معروفة بالادب والشعر ملامح هذا التفوق والتميز والذي بدا في فترة تصحر عمراني ومعماري في الأردن والمنطقة واستمر في فترات تاريخية متقلبة اقتصاديا وثقافيا. وتتبع هذا السرد التاريخي له أهمية في قراءة تاريخ العمارة الأردنية من خلال تتبع اعمال واحد من اهم معماريي فترة السبعينيات وعلى مدى ثلاثة عقود لاحقة. فقد اثرى الواقع الأردني بشكل لا يمكن بحال تجاهله او تجاوزه من خلال العديد من المشاريع التي تراوحت بين الكبيرة والمتوسطة والصغيرة. وكل منها قدم نموذجا وفكرة وفكرة تطورية، وعكست قدرته على مجاراة تطورات العمارة، كمهنة بورجوازية، وباسقاطات محلية من خلال التفاعل الواعي والذكي مع استعمال الحجر كمادة بناء أساسية وباساليب متجددة وانيقة.
ولذلك فيمكن إطلاق وصف "العمارة الأنيقة" على ما قدمه جعفر طوقان لمدينة عمان، حيث كان يقدم ايقونات مهمة في فضاء وساحة العمران الأردنية وترك علامات فارقة في سماء المدينة. وبالنظر لمجمل اعماله، سواء المنفردة، أو التي قام بتصميمها بالتآلف مع آخرين يمكن تتبع وفتح الباب مشرعا امام إرث معماري مهم لمؤرخي ونقاد العمارة الأردنية خصوصا والعمارة العربية المعاصرة عموما. وفي هذه المساحة نستعرض جزءا من نشأة وأصول وملامح حياة طوقان المعمارية.

شاعر عمارة "الحجر" في مدينة عمان
شهدت مدينة عمان للمعماري جعفر طوقان بحساسيته المفرطة في التعامل مع الحجر بابداعية وتطورية ملفتة، كانت مبعثا على الاعجاب ومثيرة للاهتمام بدرجة كبيرة للممارسين والاكاديميين والطلاب على حد سواء – لدرجة انه يمكن ان يطلق عليه "المعماري شاعر عمارة الحجر". ومن المعروف ان جعفر طوقان المولود بالقدس عام 1938 ينتمي طوقان الى عائلة معروفة بالشعر والادب، فقد كان والده ابراهيم طوقان شاعرا وعمته الشاعرة فدوى طوقان. بالاضافة الى عماته اللتان كانتا موهوبتان بالرسم وتميز بعض افراد العائلة بعزف العود والغناء. وكان والده يعمل مديرا للقسم العربي في اذاعة فلسطين في القدس.
وقد كان لدراسته الاكاديمية تأثير كبير في حياته العملية لاحقا، فقد درس العمارة بالجامعة الاميركية ببيروت بين عامي 1955 وعام 1960 وتأثر بملامح العمارة العقلانية كفلسفة سائدة في فترة دراسته وسنوات التكوين العملي الاولى. وكان هذا التوجه اهم الملامح التي بدأت في تحديد سيرته المعمارية. وقد تأثر في السنوات الأولى باعمال المعماري العالمي فرانك لويد رايت وبفكر مدرسة الباوهاوس واعمال ولترغروبيوس وميس فاندروه ومارسيل بروبر وغيرهم، برغم ان هذان الفكران متغايران إلا أنهما يشتركان في ابتعادهما عن العمارة الغربية الاوروبية الكلاسيكية.
كما كان لطفولته ونشأته أيضا تأثير على ميوله المعمارية إذ يروي طوقان ميله منذ الطفولة للرسم والنحت حيث كان يملأ جدران بيته في نابلس برسومات الاشخاص والسيارات، كما كان يرسم قصص من التاريخ العربي على شكل مجلات الاطفال المصورة. وبدأ يميل لدراسة العمارة في السنتين الاخيرتين قبل اكماله للثانوية العامة نظرا لتفوقه في المساقات العلمية مما كان يؤهله لدخول كلية الهندسة لدراسة العمارة التي كانت من المهن النادرة آنذاك. ويروي كيف كانت عائلة جده تجتمع حول حوش الدار الكبير بالقدس ويلعب بها ما يقارب العشرين طفلا ويتم ممارسة النشاطات الاجتماعية اليومية واللعب والاكل مما اثرى تجربة الحياة التقليدية الفلسطينة في وجدان طوقان منذ سني عمره الاولى.
ومن الاعمال المهمة التي قدمها بعد تخرجه من الجامعة كان تصميم منزل لاحدى عماته في مدينة عمان. وبعد تخرجه عام 1960 عمل لاقل من سنة في وزارة الاشغال العامة في عمان كمعماري في قسم التصميم قبل ان ينتقل الى بيروت عام 1961 حيث عمل مع دار الهندسة لغاية عام 1968 وبعدها افتتح مكتبه الخاص في مدينة عمان. وقد كان الاردن البلد الذي اتاح له اكبر الفرص لتحقيق طموحاته المعمارية واختبار افكار تجديدية تقبلها المجتمع الاردني بترحاب وتشجيع وحاز على عدة جوائز كلها عن مشاريع بالاردن بالرغم من انه قد صمم العديد من المشاريع في الكثير من البلدان العربية الاخرى. ويعتبر طوقان نفسه محظوظا في عدد وحجم المشاريع التي قام بتصميمها في الاردن وخاصة في فترات الثمانينيات والتسعينيات.

طوقان والمشاريع الحضرية "الإنسانية"
يعتبر طوقان ان افضل عمل معماري قام بتصميمه هو قرية الاطفال (SOS) في مدينة العقبة، حيث يتميز المشروع بانسانيته وتواضعه فهو ملجأ للأيتام يدار بطريقة خاصة تتيح لليتيم اقرب حياة الى حياة العائلة الطبيعية. كذلك يتميز هذا المشروع بأنه يحيي عمارة مدينة العقبة التقليدية بروح متجددة وبكلفة متدنية، حيث استعمل الحجر الغرانيتي المتوفر في مدينة العقبة وتقريبا بدون ثمن باهظ، بالإضافة الى انه عالج التهوية الطبيعية بأساليب تطورت عن الاساليب التقليدية واندمجت القرية وبيئتها اندماجا عضويا. وقد فاز هذا المشروع بجائزة الآغاخان عام 2001. ويعتبر طوقان ان العمارة الاردنية متميزة بالنظر للموارد الطبيعية المحدودة ويعبر عن اعجابه بالعمارة البرجية العالية ومنها الفندقية وبخاصة اذا كانت لها مبرراتها الوظيفية والاقتصادية. ويعتبر ان العمارة لا تشكل هاجسا كبيرا للمواطن العربي وبخاصة اذا كان المواطن منشغلا بامور يومية ضاغطة، حين يكون منشغلا بامور يومية. وبهذا يكون التفكير بالثقافة والجوانب المتعلقة بها مما يقع في دائرة الترف الذي لا داعي له ولا يقع ضمن الدائرة الاهم في حياته. وهنا يقع المواطن العربي في انشغالات مادية وثقافة الاستهلاك.
ويعتبر نفسه متأثرا بالعمارة التقليدية والتراثية ولكن ليس بطريقة التقليد الحرفي الاجتراري ولكن باستلهام منطق العمارة التراثية وارتباط هذه العمارة بزمانها ومكانها. ويعتبر ان ربط العمارة بالاعتبارات الوطنية او السياسية هو تقزيم لافاق العمارة والمعماري، ويعتبر ان العمارة التراثية هي سجل للإبداع لمعماريي الحقب السابقة الذين ادركوا منطق الزمان والمكان: الزمان من حيث واقعه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، والمكان من حيث حصائصه العضوية والمناخية والجغرافية.
ويعتبر ان المعماري الناجح هو الذي يستطيع بخبرته التصميمية والعملية ان يحقق العديد من مشاريعه ويكسب ثقة جمهوره من خلال الاخلاص. وهو ذلك المعماري المنفتح على المعرفة في كل المجالات الممكنة من فن وادب واجتماع واقتصاد وعلم نفس، لان العمارة برأيه متعلقات بالانسان الذي يتأثر بكل افاق المعرفة. والمعماري الناجح هو الذي يدرك ان هناك دوما شيء جديد يمكن له ان يتعلمه باستمرار.
وقد انحصرت تجاربه الاكاديمية من خلال المشاركة في مشاريع التخرج للسنة النهائية لطلبة الجامعات الاردنية. وانشأ مكتبة معمارية بمكتبه كانت بمثابة نافذة على العالم الاكاديمي لطلاب العمارة مما اتاح له جلسات حوارية مع العديد من الطلبة. وكانت له بعض النشاطات الاكاديمية والمؤتمرات خارج الاردن في بعض الدول العربية والاسلامية ومنها في لاهور بالباكستان.

جذور وأعمال في فلسطين
في فلسطين كانت له زيارات دورية لاغراض العمل حيث قام بتصميم حرم جامعة النجاح بنابلس وعدد من مبانيها. كما اقيم معرض معماري في نابلس متجول في فلسطين بدعم من المركز الثقافي الفرنسي، حيث زار نابلس وبيت لحم والقدس ورام الله. ويعرب طوقان عن المه لما شاهده من فوضى حضرية في مدن الضفة الغربية وفي غزة والتي زارها مرتين. فالتخطيط الحضري يبدو له مفقودا كما ان انظمة البناء تبدو قاصرة وثمة عجز في قدرات الاجهزة البلدية على ضبط المخالفات وايقافها مما نتج عنه نسيج معماري مشوه. وبالرغم من ذلك يشيد بالجهود التي تقوم بها بعض الجهات الخاصة لاعادة احياء التراث الفلسطيني.

وصايا للمعماريين الشباب
وينصح طوقان المعماريين بان يتذكروا بان للعمارة وجوها عديدة. فبالاضافة الى الجانب التصميمي الابداعي هناك جوانب اخرى تحتاج لها مهنة العمارة حاجة ماسة. فهناك جانب تجهيز المخططات التنفيذية وما تتطلبه من خبرة في تفاصيل البناء وهناك الجانب الاداري. حيث تفتقر المهنة برأيه في الوقت الحالي الى كادر مهم في الممارسة المعاصرة وهو كادر الاداريين المعماريين حيث اصبحت العمارة في حاجة ماسة الى ادارة حكيمة. وهناك جانب الاشراف على التنفيذ وتفهم الجوانب والعلاقات التعاقدية اثناء عملية التنفيذ بما تشتمل عليه من امور فنية وقانونية. ويحبذ طوقان لو تمكن الاكاديميون من اعداد مساقات مبدئية في هذه المجالات خاصة وان امكانية الابداع في هذه المجالات قد تفوق عدديا امكانية الابداع في التصميم، وهي برأيه جوانب مهمة واساسية ايضا.
وبالاضافة لذلك يوصي طوقان المؤسسات الاكاديمية ان تستطيع غرس فكرة ان الخريج عند تخرجه يملك فقط الوسيلة لاكتساب الخبرة العملية من خلال التدرب عند ذوي الخبرة. حيث ان غرس هذا المفهوم لدى الخريجين يقيهم من اوهام كونهم حصلوا على العلم بكامله ويزودهم بمناعة التواضع الإيجابي.
وهكذا شهدت الأعوام الأخيرة رحيل علم آخر من أعلام العمارة العربية المعاصرة، لكن اثره في البيئة المبنية واضح وقد ترك بصمات مهمة في الفكر المعماري الأردني والعمارة العربية على نطاق أوسع تحتاج لقراءة وتأمل من الباحثين ونقاد العمارة والاكاديميين على حد سواء.

المراجع
أخذت بعض مادة المقال من المقابلة المنشورة مع طوقان مع مجلة العمران العدد السادس 2007

د. وليد احمد السيد
مستشار تطوير التراث العمراني
[email protected]