المعماري جعفر طوقان (1938-2015) :


مقدمة:
عوّدنا التاريخ أن يترك بصمات المبدعين من خلال أعمال تتفاعل مع الزمن ومن خلال المكان وأن يتركها لنا صفحة مفتوحة للقراءة والتأمل. وبذات الوقت، فقد جرت متوالية الزمان على عادة أن كبار المبدعين قلّما يعطون ما يستحقون من التوقف عند أعمالهم بالمزيد من القراءة والمراجعة بمنهجية تطورية حال جريان الفعل المضارع وضمن تتابع زمني منهجي. لكن هذه الملاحظة قد لا تنطبق على بعض الحالات الفريدة التي نالت قدرا لا يستهان به من الالتفات والاستحقاق اللحظي نظرا لما تركته من أثر مهم على الحركة الفنية والمعمارية في محيطها المباشر وخارج حدود الإقليم. ولعل مردّ ذلك هو حالة "الاستقطاب" المؤثرة التي تتوافر فيها أكثر من حالة إبداعية فريدة لا يمكن إغفالها من جهة، وحيث تنتج حالة تنافسية هائلة تستدعي آلة إعلامية تعريفية غالبا ما تكون مصاحبة بمقاييس عصرها تلفت القاصي والداني.
وبكلمات أخرى، فإن حالة الاستقطاب الثنائية، سواء في الأدب او الفن او الفلسفة، تاريخيا، قد أنتجت، وبالضرورة، حالة تنافسية فريدة دفعت بالابداع إلى آفاق غير محدودة – على المستوى الفردي وعلى الحركة الفنية والمعمارية والعمرانية الجماعية. ولتوفر حالة الإستقطاب لا بد من قطبين متغايرين متنافسين يدفعان باتجاهين كل منهما يمثل ظاهرة وله مؤيدوه وأنصاره. وقراءة التاريخ الماضي منه والقريب تبين ان توافر هذه القطبية الثنائية في الأدب أو الفلسفة اليونانية مثلا، أو حتى في الفن الكلاسيكي (ليوناردو دا فنشي أو رافييل أو مايكل انجلو) أو رواد الحركة الإنطباعية (مونيت ومانيت ورنوار وديغاس) أو الفن الحديث، أو في العمارة الكلاسيكية أو القروسطية أو المعاصرة في مدارس الباوهاوس وروادها ومنظّريها، كل حالات الاستقطاب هذه اثمرت نحو دفع الحالة الإستقصائية الاستشرافية نحو بعد تطوري مهم.

ثنائية واستقطاب في مدينة عمان: 1970 – 2000
ضمن إطار ما سبق التقديم له، شهدت مدينة عمان حالة فريدة منذ نهاية السبعينيات، من قطبية وثنائية، على اعتبار إمكانية فهم الحركة العمرانية والمعمارية المعاصرة لمدينة عمان ضمن قطبين رئيسين اثنين. هذا كان واضحا تماما للعيان على المستويين التطبيقي العملي والأكاديمي النظري من خلال مدرسة راسم بدران وأعمال المعماري جعفر طوقان (1938-2015). وبالرغم من أن هذه القطبية كانت تتميز بأنها قطبية "محلية"، إلا انها لم تكن كذلك على المستويين الإقليمي أو العالمي – فقد راوحت ملامح عمارة جعفر طوقان في بعديها المحلي وبعض الإقليمية وتحددت على أبواب العالمية خلافا لمدرسة راسم بدران المعمارية والعمراني التي تجاوزت معالم حدود الاقليم.
في هذه البيئة الاستقطابية ومنذ فترة السبعينيات وحتى بدايات الالفية الجديدة نمت وتطورت الملامح الفكرية والتطبيقية للعمارة الأردنية وتحديدا في مدينة عمان حيث كانت الحاضنة الأكبر للتطبيقات العملية كعاصمة ومدينة متطورة بتسارع وحيث تأسست الجامعة الأردنية التي كانت تقريبا المعهد العربي المتميز في مجال العمارة ضمن تلك الفترة التاريخية.

لقاء عابر بلندن مطلع الألفية
خلال فترة الثمانينيات ومطلع التسعينيات طغت حالة الاستقطاب والتنافس المعماري والعمراني من خلال المسابقات الكثيرة التي نظمت محليا وعربيا. وربما لهذه الظروف لم تسنح فعلا الفرصة للقاء المعماري طوقان ما خلا جولات التحكيم النادرة. وكان من غرائب الأقدار أن يكون اللقاء في لندن وليس في مدينة عمان، إذ وبعد منتصف التسعينيات ومع مطلع الألفية الثالثة سنحت فرصة وحيدة بالمصادفة المحضة ودونما ترتيب في فندق الماريوت (Marble Arch) بلندن. وتصادف وجود طوقان اثناء الانتظار صباحا لمرافقة المعماري راسم بدران، الذي كان ينزل بنفس الفندق، لمحاضرة في منتدى الكوفة بجوار دار الساقي إذ كان ضيفا على الملتقى الأسبوعي للمعماري محمد صالح مكية. وكنت آنذاك أتردد على المنتدى بصفة باحث اثناء دراستي للدكتوراة. المعماري طوقان اتسمت قسمات وجهه بذكاء نافذ، وخلته يبحث في دفتر ذاكرته الخارقة عن تطابق للوجه مع اسم مر عليه ضمن آلاف المعارف والمعماريين. وبدا حاد الذكاء ذا قدرة على الربط البصري، وهي خاصية فريدة لمبدع، ولمعماري تبدو أوجب وأكمل. وربما كان سبب عدم التعارف في السابق طبيعة العمل في مدينة عمان وحالة الاستقطاب المهنية ومصادفة عدم وجود مشاريع مشتركة في فترة بداية التسعينيات وقبل هجرة كاتب السطور لمدينة لندن.
بعد عدة سنوات، وتحديدا عام 2007، كنت اكتب بصورة دورية في صحيفة الحياة اللندنية واسعة الانتشار في أوروبا وجزء كبير من الشرق الأوسط وبخاصة بيروت وبعض دول الخليج العربي. وكنت في تلك الفترة قد خصصت جزءا كبيرا من كتاباتي حول سلسلة تبحث في العلاقة بين التراث والحداثة، وصلتني رسالة بالبريد الالكتروني، ردا على مقالي، فيها الكثير من التواضع العمراني والاكاديمي من قامة معمارية سامقة ترك بصمات مهمة على البيئة العمرانية الأردنية، لباحث، بجهد المقلّ، في مفاهيم العمارة واسئلتها المعاصرة، وهذا نصها: " عزيزي السيد وليد، من المدهش انني كنت الأسبوع الماضي في رحلة من بيروت لمدينة عمّان وقرأت لك مقالة في صحيفة الحياة تناقش فيها العمارة التقليدية مقابل الحداثة. وقد وجدتها مثيرة للإهتمام بدرجة كبيرة وتوافقنا في نقاط كثيرة مما دفعني لكتابة اسمك وتحديد عنوانك عبر الانترنت لبدء الاتصال. ويتابع طوقان: " انا معماري مارست العمارة في العالم العربي على امتداد السبع والأربعين سنة الماضية وقد واجهت سؤال التراث والحداثة العديد من المرات وكتبت عدة مرات حول الموضوع. أود ان نبقى على تواصل وأن نتبادل وجهات النظر حول الموضوع ومسائل ثقافية أخرى. وأكون ممتنا ان زودتني برابط حيث استطيع العثور على مزيد من كتاباتك. – جعفر طوقان"

حالة استقطاب "عملية" مع نظرية ونقد غائبين
في الحقيقة هذا التواصل المباشر مع علم معماري بوزن جعفر طوقان كانت له ثمة تداعيات مهمة، بحثية وشخصية، في إعادة تسليط الضوء على فترة مهمة في تاريخ العمارة الأردنية المعاصرة، وبخاصة لباحث معماري بجهود يسيرة متواضعة، درج على قراءة العمارة العربية المعاصرة في بعديها التقليدي ومحاولات التوفيق المعاصرة من قبل رواد العمارة العربية، وكانت فرصة لاعادة تسليط الضوء على اعمال ممتدة على قرابة أربعين عاما. ما يلفت في خطاب طوقان في البريد الألكتروني، الذي كان فاتحة تواصل مباشر معه على المستويين الشخصي والفكري، بأنه بالرغم من المدى الذي وصلت له تطبيقاته العملية في مدينة عمان كان لا يزال يعتبر نفسه باحثا عن الحقيقة في حوار مستمر، سمته التواضع والبحث الجاد بين الذات وبين البيئة المبنية لمحاولة الوصول إلى توافقات على مستوى الخطاب المعماري وعلى مستوى النظرية لتحقيق حالة من الاستقرار النسبي للمرحلة التاريخية على الأقل. ولعل هذا ما يفسر التواصل المستمر بين طوقان وبين المعهد الاكاديمي بين حين وآخر والذي تمثل في زياراته السنوية لمناقشة مشاريع تخرج طلبة العمارة بالجامعات الأردنية – شأنه كشأن زملائه في تلك الفترة مثل راسم بدران وبلال حماد واكرم أبو حمدان وغيرهم.
لم يكن من السهل في فترة الثمانينيات والتسعينيات التعرف عن قرب على الفكر النظري الذي يؤطر أعمال المعماريين العرب عموما، نظرا لخلو المكتبة وساحة الخطاب المعماري من نقاد جادين أولا، ومن المنابر الثقافية المعمارية التي تخاطب الجيل الذي كان قيد النشأة من المعماريين المحليين والعرب عموما وثانيا. الاستثناء من ذلك كان يتمثل في مجلة البناء السعودية ومجلة عالم البناء للدكتور عبد الباقي إبراهيم في مصر، لكن أعمال المعماريين العرب، ومنهم جعفر طوقان، كان يتم التطرق لها من خلال عرض نتائج المسابقات المعمارية مع نزر يسير من العرض النصي الذي لا يرقى لمستوى النظرية الرصينة الناقدة. ولذلك فالباب لإعادة قراءة أعمال المعماريين في مدينة عمان منذ السبعينيات والكيفية التي حددت عملية الاستقطاب بموجبها ملامح العمارة في تلك الفترة يمكن ان تشكل مدخلا مهما لقراءة تاريخ مهم وحقبة مؤثرة في وعي وملامح الخطاب المعماري الأردني المعاصر.
لكن الملفت والسائد في تلك الفترة خلو الساحة من النقد التطوري في العمارة الأردنية على المستوى النظري. وهذا ربما خلق حالة من الهالة حول أعمال كبار المعماريين بما شكل حالة من الانبهار والقداسة أكثر من حالة النظر بعين البحث عن العلاقة المهمة بين النظرية وبين الواقع التطبيقي. هذه الحالة الانبهارية، ربما ينظر لها اليوم بأنها، وعلى عكس حالة الاستقطاب التي خلقت التنافس التطوري، كانت لها ابعاد سلبية حالت دون تقديم إطار نظري ناظم للممارسات التطبيقية وحالت دون خلق بوصلة نظرية توجيهية وكأداة تقييم موضوعية.

حقبة جائزة "آغاخان" الثمانينيات وما بعدها وقمقم المحلية
بالتوازي، يبدو أن لجائزة الأغا خان للعمارة "الأسلامية" (آنذاك كما كان يطلق عليها) دورا (يمكن إعادة قراءته اليوم بشيء من النقد) في دفع الكثير من المعماريين المحليين للخروج من قمقم المحلية نزوعا نحو العالمية على المستويين النظري والتطبيقي – وبدرجات متفاوتة من النجاح، والمعماري طوقان لم يكن يشكل استثناء من هذه الحالة. ما يمكن قوله هو أن توصيف جائزة الآغاخان للعمارة المختصة "بالإسلامية" (والتي تخلصت من هذا التخصيص في الدورات الأخيرة لتنزع نحو العالمية) قد انتج حالة ذهنية في الخطاب والممارسة المعمارية المحلية الأردنية نزوعا نحو مؤطرات ومحددات الجائزة، ربما من مدارس معمارية قد تكون وسمت نفسها في تلك الفترة بالعمارة العقلانية اكثر منها "إسلامية" البواعث والمؤطرات. وهذا قد تندرج تحته الكثير من المحاولات لمعماريين محليين، باستثناء الالتزام الجاد ومنذ الإنطلاقة النوعية التحولية للمعماري راسم بدران من آفاق العمارة الغربية إلى خصوصيات التراث والثقافة المحلية في الاردن وفلسطين.
جانب آخر يبدو في محاولة إعادة قراءة تلك الفترة يتمثل في مفرزات المدارس الاكاديمية المعمارية في الأردن، وتحديدا الجامعة الأردنية، والذي أنتج في الأغلب معماريين ينتمون لمدارس الفكر العالمية انطلاقا من برنامج الإعارة الاكاديمية الذي استقدم الكثير من المدرسين الغربيين ومنهم "جان شيكا" مثلا بما أفرز طلائع جيل كامل من المعماريين الذين انتموا لمدارس الفكر الغربي أكثر منهم لمدرسة التراث والثقافة الإسلامية، وأغلب هؤلاء عملوا مع المعماري طوقان، وضمن حالة استقطاب مغايرة للفئة التي التزمت بالفكر التراثي الذي مثلته مدرسة راسم بدران وتلاميذه ومنهم ايمن زعيتر مثلا. ولذلك فقد كانت هذه القطبية وحالة الاستقطاب تحديا في ساحة الخطاب المعماري والعمراني للتوفيق بين مدرستين تقفان ابتداء على ملامح متغايرة: الأولى، ويمثلها قطب طوقان تنزع نحو العقلانية المعمارية العالمية بملامح ومفردات واضحة يصعب تأويلها محليا. والثانية، ويمثلها راسم بدران بمدرسته الملتزمة بالمحلية والتراث ويصعب مجاراتها في مفرداتها واطروحاتها الملتزمة والجادة. ومن هنا يمكن النظر لظاهرة جائزة آغاخان الثمانينيات وما بعدها في التسعينيات بأنها كانت أداة لمحاولة كسر حالة الإستقطاب المحلية، طبعا بدون قصد، ومراوحة الخطاب والممارسة المحلية الأردنية لقطبين مهمين بين مؤطرات ومحددات المحلية وبين طروحات العمارة العالمية بمفرداتها وأسسها. وضمن هذه الحالة المتأرجحة، بين مفاهيم التراث وبين تنكر الحداثة للثقافة وابجديات المحلية، كان يصعب تلمس ملامح واضحة لمدرسة فكرية لاحد هذين القطبين وربما يفسر ذلك المحاولة المستمرة لأكثر من أربعين عاما في سيرورة التحاور مع الذات ومع معطيات البيئة المبنية لمحاولة البحث عن الهوية المعمارية قبل الهوية الذاتية للخطاب والممارسة العملية.

وللحديث بقية



د. وليد أحمد السيد
مستشار تطوير التراث العمراني
[email protected]